غيابات لافتة في الصلاة على خامنئي... انقسامات قديمة حضرت في مراسم الوداع
بعد أربعة أشهر من الانتظار بسبب ظروف الحرب والهواجس الأمنية، شارك عدد كبير من الإيرانيين في مصلى الإمام الخميني في طهران في أداء صلاة الجنازة على جثمان المرشد الراحل علي خامنئي الذي قُتل في الهجمات الأميركية – الإسرائيلية في 28 شباط/فبراير، على أن يُشيَّع غداً الاثنين في شوارع العاصمة.
ولم تقتصر أهمية المناسبة على المشاركة الشعبية، إذ اتجهت الأنظار أيضاً إلى قائمة الغائبين، بعدما غابت شخصيات سياسية ودينية بارزة، إلى جانب أفراد من عائلة خامنئي، في مشهد أثار كثيراً من التساؤلات بشأن دلالاته السياسية والشخصية.
غياب مجتبى والرؤساء السابقين
كان الرأي العام الإيراني يترقب ظهور المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي للمرة الأولى في مناسبة عامة، وأن يؤدي صلاة الجنازة على جثمان والده. كما كان متوقعاً حضور شخصيات سياسية ودينية وثقافية بارزة تمثل اتجاهات فكرية وسياسية مختلفة.
لكن المشهد جاء على خلاف التوقعات. فقد غاب مجتبى عن المراسم لأسباب أمنية، مع ترجيحات بإمكان مشاركته في مراسم الدفن في مشهد الخميس المقبل.
أما المفاجأة الأبرز، فتمثلت في غياب رؤساء الجمهورية السابقين محمد خاتمي، ومحمود أحمدي نجاد، وحسن روحاني، عن صلاة الجنازة، وهو ما أثار اهتماماً واسعاً، ولا سيما في ظل معلومات متداولة تفيد بأنهم لم يتلقوا دعوات للمشاركة.

حسن خميني والآية التي أثارت الجدل
ومن بين الغائبين أيضاً حسن خميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله خميني، رغم أنه حضر يوم الجمعة لتقديم التعازي.
وقال جواد إمام، أحد المقربين منه، إن خميني شعر بالاستياء من الآية التي اختارها قارئ القرآن خلال حضوره المراسم، معتبراً أنها حملت إيحاءً باتهام بعض الشخصيات بالتقصير في "الجهاد". وأضاف أن خميني وإخوته غادروا المناسبة فور تلاوة الآية (95) من سورة النساء: "لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً".
كما تسببت طريقة اختيار بعض الآيات القرآنية الأخرى في إحراج عدد من الوفود الأجنبية المشاركة في مراسم العزاء، بعدما حملت رسائل سياسية موجّهة لكل وفد.
غياب الإخوة
ولعل أكثر ما أثار الانتباه بعد غياب الرؤساء السابقين، عدم حضور الإخوة الثلاثة للمرشد الراحل، وهم محمد وهادي ومحمود خامنئي، إذ لم يظهر أيّ منهم في الصفوف الأولى المخصصة للمدعوين.
وتضم عائلة خامنئي شخصيات تعيش داخل إيران وخارجها، عارضت خلال السنوات الـ36 الماضية جانباً من سياسات المرشد الراحل أو اختلفت معها. ويبرز بينهم شقيقه هادي الذي سبق أن تعرض لاعتداء من متشددين أثناء إلقائه خطاباً، ما أدى إلى إصابته ونقله إلى المستشفى. ويروي هادي أن شقيقه اتصل به بعد أيام للاطمئنان على صحته.
محافظون وإصلاحيون خارج المشهد
كذلك، غاب عن المناسبة رئيسا البرلمان السابقان مهدي كروبي وعلي أكبر ناطق نوري.
ورغم أن كروبي دخل في مواجهة حادة مع خامنئي عقب انتخابات عام 2009، بعد اتهامه السلطات بتزوير النتائج لمصلحة أحمدي نجاد، وبقي قيد الإقامة الجبرية حتى العام الماضي، فإن غياب ناطق نوري بدا أكثر إثارة للتساؤلات، نظراً إلى أنه كان من أبرز الشخصيات المحافظة المقربة من خامنئي لسنوات طويلة، فضلاً عن توليه مهمة المفتش الخاص للمرشد.
وفي الصور ومقاطع الفيديو المتداولة، لم يظهر أيضاً أيّ أثر لشخصيات إصلاحية بارزة، بينها المستشار السياسي لخامنئي في السنوات الأولى من قيادته موسوي خوئينيها، ووزير الداخلية السابق عبد الله نوري، ورئيس بلدية طهران السابق غلام حسين كرباسجي، إلى جانب شخصيات إصلاحية أخرى.
انقسام امتد إلى ما بعد الوفاة
قد يكون ضعف التنظيم أو آلية توجيه الدعوات قد أسهما في غياب بعض الشخصيات، غير أن المشهد يعكس أيضاً واقعاً سياسياً تراكم على مدى سنوات طويلة.
فقد أدى تمسك خامنئي بمواقفه في ملفات السياسة الخارجية، وفي مقدمها رفض إقامة علاقات مع الولايات المتحدة، إلى جانب مواقفه في قضايا داخلية مثل الحجاب وآلية التعامل مع المعارضين والمنتقدين، إلى اتساع الهوة بينه وبين عدد من السياسيين والناشطين.
ولهذه الأسباب، ابتعد كثيرون عنه خلال سنوات قيادته، ويبدو أن هذا التباعد السياسي والفكري استمر حتى بعد وفاته. فغيابهم عن صلاة الجنازة عكس أن الخلافات القديمة بقيت حاضرة في لحظة الوداع أيضاً، إلى درجة أن كثيرين لم يتمكنوا من تجاوزها والمشاركة في المناسبة من منطلق وطني يتجاوز الانقسامات السياسية.
وربما يشارك بعض هؤلاء في مراسم التشييع التي تُقام غداً في شوارع طهران من دون دعوات رسمية، إلا أن التقاليد الشيعية والإيرانية تمنح صلاة الجنازة مكانة خاصة، ما يجعل الغياب عنها ذا دلالة لا تعوضها المشاركة في المراسم اللاحقة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
بعد 20 يوماً على انقطاع الاتصال بالشبان الأربعة قرب بلدتي برعشيت ومجدل سلم، نجحت دورية من الجيش اللبناني في العثور على جثثهم في وادي السلوقي، وبينهم الجريح محمد علي حسن.
نبض