الآيات القرآنية في تشييع خامنئي... رسائل سياسية أم مصادفة بروتوكولية؟
أثارت الآيات القرآنية التي تُليت خلال استقبال الوفود الأجنبية المشاركة في مراسم تشييع المرشد الراحل علي خامنئي تفاعلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، بعدما ربط مستخدمون بين الآيات المختارة والوفود التي كانت حاضرة في القاعة، واعتبر بعضهم أنها تحمل رسائل سياسية.
ومع غياب أي توضيح رسمي بشأن آلية اختيار الآيات، بقيت هذه القراءات في إطار التكهنات، وسط تساؤلات عما إذا كانت طهران تتعمد توظيف التلاوات القرآنية لإيصال رسائل سياسية، أم أن اختيارها يندرج ضمن الترتيبات الدينية والبروتوكولية للمراسم.
الآية التي أثارت الجدل
وأُقيم اليوم الأول من مراسم تشييع خامنئي، الجمعة 3 تموز/يوليو في مصلى طهران، بحضور عدد من المسؤولين الأجانب رفيعي المستوى، حيث تليت آيات قرآنية مختلفة خلال استقبال الوفود المشاركة.
وأمام الوفد السعودي، تُليت الآية 13 من سورة آل عمران:
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
وبحسب كتب التفسير، ترتبط هذه الآية بوقائع غزوة بدر، أول مواجهة كبرى بين المسلمين وقريش، وتتناول ما جرى فيها من أحداث وفق السياق القرآني، إذ انتصر المسلمون رغم قلة عددهم وعدتهم.
وتداول مستخدمون إيرانيون وعرب على وسائل التواصل الاجتماعي تفسيرات رأت أن اختيار هذه الآية لم يكن عفوياً، وربطت بينها وبين العلاقات الإيرانية - السعودية. كما وصفت بعض وسائل الإعلام الإيرانية الآية بأنها "ذات دلالة"، من دون أن توضح ما إذا كان اختيارها مقصوداً أو الجهة التي قررت ذلك.
وخلال الحرب الأخيرة، اتهمت إيران السعودية بدعم الهجمات الأميركية عليها، كما استهدفت، وفق الرواية الإيرانية، قواعد أميركية ومنشآت نفطية داخل المملكة بطائرات مسيّرة وصواريخ. وفي المقابل، تحدثت تقارير عن هجمات سرية نفذتها مقاتلات سعودية ضد مواقع داخل إيران.
ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز"، في 24 آذار/مارس، عن مصادر مطلعة أن "ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان طلب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب مواصلة الهجمات على إيران حتى سقوط الجمهورية الإسلامية"، معتبراً استمرار الحرب "فرصة تاريخية" لإرساء نظام جديد في المنطقة. لكن السعودية نفت ما نُسب إليها في التقرير. ونقلت "العربية"، في 16 آذار/مارس، عن مصدر سعودي أن سياسة الرياض الخارجية تقوم على دعم السلام والاستقرار، وأن ما أوردته الصحيفة الأميركية بشأن تشجيع إطالة أمد الحرب ينافي هذا التوجه. كما شدد المصدر على أن المملكة لم تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها في أي أعمال عسكرية ضد إيران.
ولا يعد استحضار هذه الآية في سياق سياسي أمراً غير مسبوق في إيران.
فقد استخدم علي خامنئي الآية نفسها عام 2006، بعد انتهاء حرب تموز بين "حزب الله" وإسرائيل، في رسالة تهنئة وجهها إلى الأمين العام السابق للحزب حسن نصر الله بعنوان "رسالة تهنئة بمناسبة النصر".
وجاء في الرسالة: "نصركم كان نصراً للإسلام. لقد أثبتّم بحول الله وقوته أن التفوق العسكري لا يعتمد على الأسلحة والطائرات والسفن والدبابات، وإنما على قوة الإيمان والجهاد والتضحية مدعومة بالعقل والتدبير".
تلاوات أخرى وقراءات
لم تصدر أي جهة رسمية إيرانية ما يؤكد أن الآيات اختيرت خصيصاً لكل وفد، كما لم يصدر أي نفي لذلك. إلا أن مستخدمين على وسائل التواصل الاجتماعي رصدوا نمطاً مشابهاً مع وفود أخرى، وطرحوا قراءات سياسية ربطت بين مضمون بعض الآيات والوفود التي تُليت بحضورها، من دون وجود تأكيد رسمي لهذا الربط.
أمام الوفد القطري، برئاسة رئيس مجلس الشورى حسن بن عبد الله الغانم، تُليت الآية الثانية من سورة الفتح:
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾.
وبحسب كتب التفسير، ترتبط هذه الآية بصلح الحديبية. وربط عدد من مستخدمي وسائل التواصل بين تلاوتها والدور الذي لعبته قطر في الوساطة بين إيران والولايات المتحدة.
كذلك، تليت آيات قرآنية أخرى خلال استقبال عدد من الوفود المشاركة في مراسم التشييع، من بينها:
الوفد التركي، تُلي أمامه جزء من الآية 95 من سورة النساء:
﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾.
وبحسب كتب التفسير، تؤكد الآية فضل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على من يقعدون عن الجهاد من غير عذر، في سياق الحديث عن منزلة الجهاد وأهله.
وفد باكستان، تُليت أمامه الآية 200 من سورة آل عمران:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
والرسالة المحتملة هي الاستعداد الدائم والحفاظ على التماسك في ظروف التوتر الإقليمي.

وفد سلطنة عمان وحكومة صنعاء، تُليت أمامه الآية 29 من سورة الفتح:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.
وهي تؤكد على وحدة الجبهة المتحالفة مع إيران، والقوة أمام العدو والتضامن بين الحلفاء.
وفد حركة "حماس"، تُليت أمامه الآية 23 من سورة الأحزاب:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
وفد "حزب الله" اللبناني، "، تُليت أمامه الآية 56 من سورة المائدة:
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾.
الوفد الرسمي اللبناني، تُلي أمامه جزء من الآية 66 من سورة النساء:
﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ...﴾.
وهو تلميح، على ما يبدو، إلى محدودية استعداد الدولة اللبنانية لتحمّل كلفة الخيارات الصعبة.
تقليد يعود إلى بدايات الجمهورية الإسلامية
لا يُعد حضور الآيات القرآنية في المناسبات السياسية والرسمية أمراً جديداً في الجمهورية الإسلامية، إذ يعود هذا النهج إلى السنوات الأولى بعد ثورة عام 1979، حين حضرت آيات قرآنية في الشعارات والخطابات والبيانات الرسمية، ثم استمر استخدامها في مناسبات سياسية وعسكرية مختلفة.
ومن أكثر الآيات حضوراً في هذا السياق الآية 13 من سورة الصف:
﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾.
وقد استُشهد بهذه الآية في مناسبات متعددة، من بينها الحرب التي استمرت 12 يوماً في حزيران/يونيو 2026.
وسواء كانت الآيات قد اختيرت وفق ترتيب بروتوكولي أو بقصد إيصال رسائل إلى الوفود المشاركة، فإن الجدل الذي رافقها يعكس مكانة الآيات القرآنية في الخطاب السياسي لإيران، إذ ظل توظيف النص الديني في المناسبات الرسمية جزءاً من أدوات التعبير السياسي منذ قيام الجمهورية عام 1979. أما الدلالات المقصودة في مراسم التشييع الحالية، فتظل في نطاق القراءات المتداولة، في غياب أي تفسير رسمي لآلية اختيار الآيات.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نبض