إيران تتوقّع مشاركة 18 مليون شخص... 3 مخاوف تلاحق مراسم تشييع خامنئي
تستعد إيران، السبت، لانطلاق مراسم تشييع المرشد الراحل علي خامنئي، في حدث تقول السلطات إنه سيكون "الأكبر من نوعه في التاريخ"، مع توقعات بمشاركة نحو 18 مليون شخص مدى ستة أيام. وبينما يراهن النظام على تحويل المناسبة إلى رسالة سياسية تؤكد تماسكه واستمرار التأييد الشعبي، تتصدر المخاوف الأمنية والتنظيمية والإعلامية المشهد قبل بدء المراسم.
وتكشف التحضيرات الجارية أن الحدث يمثّل اختباراً لقدرة إيران على إدارة أكبر حشد جماهيري في تاريخها، بعد أشهر من الحرب والتغييرات التي شهدتها قيادة البلاد.
مراسم مؤجلة منذ أربعة أشهر
وصلت التحضيرات إلى مراحلها النهائية بعدما أُرجئت مراسم التشييع أربعة أشهر، بسبب الحرب التي استمرت نحو 40 يوماً مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ثم وقف النار الذي تلاها. وخلال تلك المدة، انتشرت شائعات عن دفن جثمان خامنئي بصورة موقتة، إلا أن السلطات نفت ذلك، مؤكدة أن الجثمان حُفظ في مكان مناسب وفق الضوابط الشرعية.
وتبدأ المراسم السبت، وتستمر حتى الخميس المقبل، متنقلة بين طهران وقم (إيران) وكربلاء والنجف (العراق)، قبل أن يُدفن خامنئي في مسقط رأسه، مدينة مشهد. كما ستُشيَّع جثامين ابنته وزوجها وزوجة حفيده وحفيده الذين قُتلوا معه في الهجمات الأميركية - الإسرائيلية خلال شباط/فبراير الماضي.
وفي أول رسالة مكتوبة له منذ انتخابه مرشداً ثالثاً للجمهورية الإسلامية، قال مجتبى خامنئي إنه شاهد جثمان والده ووجهه، وإن قبضته "كانت مشدودة". ولم يحضر المرشد الجديد حتى الآن أي مناسبة عامة، ولم يُنشر له أي تسجيل مصور أو صوتي منذ انتخابه، ما زاد التكهنات حيال إمكان ظهوره في مراسم التشييع. ويأمل أنصار المرشد الراحل أن يشارك نجله في المراسم، غير أن مسؤولي التنظيم يؤكدون أن القرار "يعود إلى مكتب القيادة"، ويرتبط أيضاً بالاعتبارات الأمنية الخاصة بحمايته.
استعراض للقوة بعد الحرب
سخّرت إيران كل إمكاناتها لإنجاح المراسم، وأعلنت عطلة أسبوعية في البلاد لتسهيل المشاركة، فيما يؤكد المسؤولون أن عدد المشاركين قد يصل إلى 18 مليون شخص، وهو رقم سيكون الأكبر في تاريخ مراسم التشييع إذا تحقق.
وتستند السلطات إلى مقارنات مع جنازة الإمام الخميني عام 1989، التي قُدرت المشاركة فيها بأكثر من 10 ملايين شخص، وجنازة قائد "فيلق القدس" السابق قاسم سليماني التي شارك فيها نحو 8 ملايين. وعلى المستوى العالمي، تُقارن المراسم أيضاً بجنازة الرئيس الأميركي أبراهام لينكولن عام 1865، ثم جنازة البابا يوحنا بولس الثاني، إضافة إلى جنازات الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو، والمهاتما غاندي، وجوزف ستالين.
وتحاول إيران تحويل أكبر مراسم تشييع في التاريخ إلى عرض لقوتها وشعبية زعيمها، وإلى استفتاء وطني وإقليمي كبير، رداً على الانتقادات التي وُجهت في السنوات الأخيرة إلى سياسات خامنئي الداخلية والخارجية، لتُظهر بصورة رمزية أن قراراته كانت مبنية على رغبة الغالبية الشيعية، وأن شعبيته غير المسبوقة تدل على صحة مواقفه. أما مدى قدرة هذا الجهد والادعاء على إقناع المراقبين، فهو أمر غير مؤكد بعد.

ثلاثة تحديات تفرض نفسها
رغم الطموحات الرسمية، تتصدر ثلاثة مخاوف النقاش داخل إيران وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وقد تؤثر في المراسم إذا تحوّلت إلى وقائع ميدانية.
أولى هذه المخاوف ترتبط بإمكان وقوع حوادث تدافع نتيجة الحشود الضخمة، وارتفاع درجات الحرارة، وضغط الخدمات اللوجستية. ويستند هذا القلق إلى تجارب سابقة شهدت سقوط ضحايا خلال مراسم تشييع الخميني وسليماني. ويزداد هذا القلق عندما يقول بعض المتشددين من أصحاب التفسيرات الغيبية إن "مقتل بعض أنصار خامنئي يمكن أن يزيد من هيبة هذه المراسم، ويُظهر أن شعبيته كبيرة إلى درجة أن بعضهم مستعد للموت من أجله حتى بعد وفاته". ومع ذلك، حشد الحرس الثوري وبلدية طهران والحكومة كل إمكاناتهم لتقليل نسبة الضحايا المفترضة إلى الحد الأدنى.
أما التحدي الثاني فهو أمني، إذ تخشى الأجهزة الإيرانية من احتمال تنفيذ إسرائيل أو جماعات معارضة عمليات تخريبية أو تفجيرات تستهدف التجمعات أو تعطل سير المراسم. ويُعد هذا القلق من أبرز أسباب تأجيل التشييع أربعة أشهر، لكنه لا يزال قائماً، ما دفع السلطات إلى فرض إجراءات أمنية استثنائية وقيود واسعة على حركة المرور والدخول إلى طهران.
ويتعلق التحدي الثالث بالصورة الإعلامية للمراسم. فإيران تسعى إلى تقديم حدث منظم يعكس حجم المشاركة والالتفاف الشعبي، غير أن وجود مئات الصحافيين وملايين المشاركين الذين يحملون هواتفهم المحمولة، وبعضهم لا يكنّ أي ولاء لخامنئي والنظام ويبحث عن مواد إعلامية مثيرة، يجعل السيطرة الكاملة على الرواية الإعلامية أمراً بالغ الصعوبة. وأي حادث أمني أو تنظيمي قد يتحوّل سريعاً إلى محور التغطية، بما يطغى على الرسالة التي يريد النظام إيصالها.
اختبار سياسي وإعلامي
لا تبدو مراسم تشييع علي خامنئي مجرد حدث جنائزي، فهي تمثل اختباراً سياسياً وأمنياً وإعلامياً لإيران بعد أشهر من الحرب والتغيير الذي شهدته قمة هرم السلطة. ومع الحشود المتوقعة، والطابع العاطفي الذي يميز مراسم التشييع في الثقافة الشيعية، ونقص الإمكانات مقارنة بالحشود المليونية، يبدو أن الأسبوع المقبل سيكون، إلى جانب المشاهد والروايات المؤثرة التي سيقدمها أنصار خامنئي والنظام، أسبوعاً حافلاً بالأحداث والتفاصيل التي ستستقطب اهتمام المراقبين المحايدين ووسائل الإعلام.
نبض