رغم الصمود... لماذا لا تزال إيران خاسرة؟
ثمة مشكلتان على الأقل في افتراض أن مجرد "صمود" إيران هو معيار كافٍ لادعاء النصر.
تريد إيران ادعاء النصر بعد الحرب الأخيرة عليها لتأكيد مكانتها المستقبلية. يقول خطاب سائد إن مجرد صمودها أمام الضربات الأميركية والإسرائيلية يعني أنها انتصرت. المشكلة الأولى لهذا الادعاء تكمن في أنّه يُظهر تقلّص مكانة إيران، بدلاً من العكس.
إيران ومقولة كيسنجر الشهيرة
سنة 1969، كتب مستشار الأمن القومي الأميركيّ آنذاك هنري كيسنجر أنّ "مقاتل حرب العصابات يربح إذا لم يخسر، والجيش التقليدي يخسر إذا لم يربح". كان كيسنجر يصف الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة ضد فيتنام، وعدم انتباه واشنطن إلى إحدى المبادئ الأساسية لحرب العصابات.
بعبارة أخرى، يُعدّ الصمود انتصاراً إذا كان مرتبطاً بالميليشيات والمنظّمات شبه العسكرية والكيانات غير الحكومية التي تخوض حرب عصابات، لا بالدول، كما هي الحال مع إيران.
لكن ماذا لو كان هذا التمييز نظرياً لا عملياً؟ ألا يكفي أن تصمد إيران، ولو بصفتها دولة، كي تستطيع التفاوض كمنتصرة؟
المنسيّ في مرحلة ما قبل حرب إيران
منذ أن استفحل الخلاف الأميركي الداخلي بشأن طريقة التعاطي مع برنامج طهران النووي، تمحور لبّ التباين حول الوسيلة الفضلى لتحقيق النتيجة المرجوّة: جادل معظم الديموقراطيين دفاعاً عن الديبلوماسية بصفتها وسيلة عمليّة ومنخفضة الكلفة لتقييد البرنامج، فيما ناصر معظم الجمهوريين القوة كوسيلة أكثر فاعلية لتغيير حسابات إيران بشأن برنامجها.
للتذكير، انصبّ التركيز أولاً على القوة الإكراهية للعقوبات، قبل أن يتطوّر النقاش لاحقاً للدفع باتجاه العمل العسكري، مع تفصيل مهمّ. تمّ توجيه النقاش باتجاه العمل العسكري ضد البرنامج النووي. نادراً ما تم الترويج للضربات بهدف إطاحة النظام. كانت المعادلة الثنائية واضحة: الديبلوماسية في مقابل القوة، لحلّ القضيّة النووية، لا لحلّ مشكلة النظام نفسه.
بمعنى آخر، كان سقف التوقعات ضربات مركّزة على البنية التحتية النووية والدفاعات التي تحميها. حتى هذا الهدف بدا بعيد المنال قبل أعوام قليلة.
إيران.. الغابة لا الشجرة
تغيّر الأمر بعد حرب حزيران/يونيو 2025. رفعت إسرائيل سقف التوقعات بعد اغتيالها مجموعة كبيرة من القادة الإيرانيين. لم تُظهر إسرائيل أنها قادرة فقط على استهداف المواقع العسكرية والنووية الإيرانية (باستثناء تلك الشديدة التحصين)، بل أيضاً على اختراق الشبكة القيادية العليا. أدى رفع سقف التوقعات، بشكل مقصود أو غير مقصود، إلى تبديل مقاربة استهداف التسلسل القيادي: فبعدما كان ذلك جزءاً من مشروع عرقلة الأهداف النووية بالدرجة الأولى، أصبح جزءاً من مشروع إسقاط النظام.

لذلك، ليس التركيز على صمود إيران لادعاء النصر إلا إعادة رسم للتصوّرات. بالرغم من أنها أساسية في الحرب والسياسة، لا تلخّص التصوّرات كل شيء. إذا بُنيت المقاربة، كما يُفترض، على أساس ما تعرضت له إيران في الأعوام الستة الماضية بالحد الأدنى، بدءاً باغتيال قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني مروراً بضربات ما بعد 7 أكتوبر لوكلائها وصولاً إلى الحربين الأخيرتين، فإيران لا تزال خاسرة.
إن الاكتفاء بالنظرة إلى نتيجة واحدة من نتائج الحرب الأخيرة كأداة للتقييم الشامل يؤدي إلى "عدم رؤية الغابة بسبب الأشجار" كما يقول المثل الإنكليزي. يشير هذا المثل إلى فقدان تمييز الصورة العامة بسبب التركيز على الجزئيات. حتى مضيق هرمز سيفقد جزءاً كبيراً من قيمته كـ "سلاح إيراني" بمرور الوقت، مع البدء بتوجيه وبناء خطوط نقل جديدة للطاقة وسلع أخرى.
قد لا تكون الديبلوماسية الحالية للرئيس الأميركي دونالد ترامب متناسبة مع التراكم الطويل للأضرار على إيران وهذا موضوع للنقاش. لكنّ ذلك لا يلغي واقع أنّ طهران اليوم أضعف مما كانت عليه قبل 10 أعوام، حين دخل الاتفاق النووي حيّز التنفيذ. لا أحد ينتصر في حروب بعد أن يكون قد خرج أضعف بنتيجتها، أكان عند المقارنة مع أوضاعه العامّة قبل الحرب، أو عند المقارنة مع أحوال أعدائه، قبل الحرب وبعدها.
نبض