محرّم إيران بعد الحرب... السلطة والمعارضة تتنازعان رمزية عاشوراء

ايران 26-06-2026 | 18:20

محرّم إيران بعد الحرب... السلطة والمعارضة تتنازعان رمزية عاشوراء

تحوّلت عاشوراء، تحت تأثير الحرب الأخيرة مع أميركا وإسرائيل، إلى مساحة تتنافس فيها السلطة الإيرانية ومعارضوها على تفسير رمزيتها وتوظيفها في الصراع السياسي.
محرّم إيران بعد الحرب... السلطة والمعارضة تتنازعان رمزية عاشوراء
رجل إيراني يشارك في مراسم عزاء خلال شهر محرم، عشية إحياء ذكرى عاشوراء، في أحد شوارع طهران، 23 حزيران/يونيو 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

غيّرت الحرب الأخيرة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، وجه مراسم محرم وعاشوراء هذا العام، بعدما امتزجت الخطب والمراثي الدينية بخطاب سياسي يدعو إلى الثأر ويرفض أي تفاهم مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فبعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، تحوّلت المجالس الحسينية إلى ساحة تعبئة سياسية وعقائدية، في وقت يتمسك فيه جزء من المجتمع بالطابع الديني التقليدي للمناسبة، فيما يواصل المعارضون توظيف عاشوراء لانتقاد النظام.

 

من شعائر جامعة إلى ساحة سجال سياسي

 

لا يُعدّ تأثر مراسم محرم بالأحداث السياسية أمراً جديداً في إيران، إذ لطالما انعكست التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية على مضمون الخطب والمراثي. إلا أن خصوصية عاشوراء بقيت في قدرتها على استقطاب مختلف شرائح المجتمع، من مؤيدي السلطة ومعارضيها إلى غير المهتمين بالسياسة، وهو ما منحها طابعاً جامعاً حافظ على استمراريتها عبر العقود.

 

واستغلت القوى السياسية والاجتماعية المناسبة، على مر السنوات، للتعبير عن مواقفها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ففي السنوات الأخيرة، حملت بعض المراثي التي أُلقيت في هيئات دينية بمدينة يزد رسائل نقدية لسياسات النظام، ما أدى إلى خلافات مع مدّاحين وهيئات تقليدية، وفرض قيود على بعض المدّاحين، بينهم حميد عليمي، المعروف بانتقاداته عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ودفع هذا الواقع النظام إلى الاستثمار في بناء شبكة واسعة من المدّاحين المؤيدين للحكومة، وتحويل عدد منهم إلى شخصيات جماهيرية، بهدف تقليص الدور الاحتجاجي لبعض الهيئات الدينية. ومع مرور الوقت، تحولت غالبية مجالس العزاء إلى منابر داعمة للنظام، وهو ما أسهم في ابتعاد شريحة من الشباب عن هذه الشعائر، مقابل انخراط شباب آخرين من مؤيدي الحكومة فيها.

ويعتبر عدد من علماء اجتماع الدين أن "الوظيفة التقليدية لعزاء الإمام الحسين تتمثل في إحياء قيم مقاومة الظلم والاستبداد"، وأن توظيف هذه المراسم للدفاع عن سياسات الدولة "يمثل خروجاً عن دورها التاريخي". في المقابل، يرى المؤيدون أن النظام يخوض مواجهة مع ما يسمونه "الاستكبار العالمي"، وأن الدفاع عنه "ينسجم مع رسالة عاشوراء".

 

الحرب تعيد صياغة خطاب محرم

 

هذا العام، اكتسبت مراسم محرم بعداً سياسياً غير مسبوق تحت تأثير الحرب الأخيرة، إذ امتزجت أحداث كربلاء بتطورات الأشهر الماضية في معظم الخطب والمراثي. وعززت وسائل الإعلام الرسمية هذا التوجه عبر مقارنات تاريخية هدفت إلى ترسيخ فكرة أن المواجهة مع أميركا وإسرائيل ذات طبيعة عقائدية، وأن الحرب ينبغي النظر إليها بوصفها "حرباً مقدسة"، مع التشكيك في جدوى أي تفاهم مع واشنطن والدعوة إلى مواصلة المواجهة.

وانعكس ذلك بوضوح في مجالس العزاء التي انتشرت على نطاق واسع، وتضمنت دعوات مباشرة إلى وقف المفاوضات مع الولايات المتحدة والإسراع في الانتقام لاغتيال خامنئي. ووصل الخطاب في بعض المجالس إلى تشبيه محمد باقر قاليباف بعمر بن سعد، قائد الجيش الذي واجه الإمام الحسين.

وبلغ هذا التوجه ذروته في المجالس المقامة في مكتب علي خامنئي في طهران، والتي يشرف عليها مجتبى خامنئي، حيث تحولت مراسم العزاء إلى مساحة لإحياء ذكرى المرشد الراحل، مع إبقاء صورته في المكان الذي كان يجلس فيه خلال السنوات الماضية، وتخصيص مراثٍ "لاستشهاده" إلى جانب المجالس التقليدية.

في العام الماضي، وبعد الحرب التي استمرت 12 يوماً، اختفى المرشد الراحل موقتاً عن الأنظار لأسباب أمنية، قبل أن يظهر بصورة مفاجئة ليلة عاشوراء في مكتبه. أما هذا العام، فلم يظهر مجتبى خامنئي في العلن، وسط توقعات بمشاركته في مراسم تشييع والده وعدد من أفراد العائلة، مع استمرار المخاوف الأمنية من تعرضه لعملية اغتيال.

وقبل أيام من اغتياله، استشهد علي خامنئي بقول الإمام الحسين: "مثلي لا يبايع مثله"، رداً على التهديدات الأميركية. وتحوّلت هذه العبارة هذا العام إلى الشعار الأبرز في الرايات واللافتات، في محاولة لترسيخ صورة خامنئي باعتباره سار على نهج الإمام الحسين واستشهد دفاعاً عن مبادئه.

 

نساء إيرانيات يشاركن في مراسم عزاء يوم تاسوعاء خلال شهر محرم، عشية إحياء ذكرى عاشوراء، في طهران، 24 حزيران/يونيو 2026. (أ ف ب)
نساء إيرانيات يشاركن في مراسم عزاء يوم تاسوعاء خلال شهر محرم، عشية إحياء ذكرى عاشوراء، في طهران، 24 حزيران/يونيو 2026. (أ ف ب)

 

عاشوراء بين روايتين

 

في المقابل، يصرّ جزء من المجتمع الإيراني على الفصل بين الدين والسياسة، ويحيي مراسم محرم بصيغتها التقليدية بعيداً من أجواء الحرب، مع نشر رسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي تؤكد هذا التوجه.

أما معارضو النظام، فما زالوا ينظرون إلى عاشوراء بوصفها مناسبة للتعبير عن مظلوميتهم. وتزور عائلات ضحايا احتجاجات حزيران/يونيو الماضي قبور أبنائها، وتربط بين ما تعرضوا له ومظلومية الإمام الحسين، مطالبة بمحاسبة المسؤولين عن قمع الاحتجاجات.

وهكذا، أصبح لقصيدة أو لراية أو لمجلس عزاء أكثر من معنى في إيران اليوم. فعاشوراء، التي احتفظت لعقود بطابعها الجامع، تحوّلت تحت تأثير الحرب الأخيرة إلى مساحة تتنافس فيها السلطة ومعارضوها على تفسير رمزيتها وتوظيفها في الصراع السياسي الداخلي.