اتفاق ترامب وإيران: بداية فوضوية وتحديات تهدّد التسوية النهائية
بدأ الاتفاق المبدئي الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع إيران وسط حالة من الارتباك وعدم اليقين، رغم أن الهدف منه كان إنهاء الحرب وطمأنة الأسواق العالمية.
بدأ الاتفاق الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بين الولايات المتحدة وإيران مساراً فوضوياً منذ أيامه الأولى، وسط إلغاء محادثات، وغموض يحيط ببنوده، وتصعيد ميداني كاد يهدد مستقبله قبل أن ينطلق فعلياً. وبينما يسعى الطرفان إلى تحويله إلى اتفاق دائم خلال مهلة 60 يوماً، تبرز عقبات سياسية وأمنية ونووية معقدة قد تجعل الطريق إلى التسوية النهائية أكثر صعوبة مما يوحي به التفاؤل المعلن.
بداية فوضوية
بعد أيام على الإعلان عن الاتفاق، أُلغيت جولة مفاوضات كان مقرراً عقدها في سويسرا بشكل مفاجئ، بعدما أبلغت واشنطن السلطات السويسرية، الجمعة، أن نائب الرئيس جي دي فانس لن يحضر، فيما أُعلن عن انسحاب طهران من المحادثات احتجاجاً على الضربات الإسرائيلية في لبنان.
وأعاد هذا التطور تسليط الضوء على هشاشة التفاهم الذي تم التوصل إليه. ويبدو أن التصعيد بين إسرائيل و"حزب الله" شكّل أول اختبارٍ فعلي للتفاهم، حتى لو أن إسرائيل ليست طرفاً فيه، كما أنها أبدت معارضة واضحة لبنوده.
ورغم الإعلان عن وقف نار جديد بين إسرائيل و"حزب الله"، فإن المواجهات الميدانية لم تتوقف بالكامل، مع استمرار الضربات والخروقات المتبادلة التي أبقت التوتر قائماً على الجبهة اللبنانية. ومع ذلك، سارع الوسطاء الدوليون إلى محاولة احتواء الأزمة. فاستؤنفت الاتصالات الديبلوماسية خلف الكواليس، لتنطلق، اليوم الأحد، في سويسرا جولة جديدة من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، بعد وصول فانس إلى الدولة المضيفة بعد ساعات من وصول المفاوضين الإيرانيين.
الفوضى لم تقتصر على المفاوضات، بل شملت أيضاً طريقة الإعلان عن الاتفاق نفسه. ففي البداية لم يكن واضحاً متى تم توقيعه أو حتى ما إذا كان قد وُقّع فعلاً. فبعد إعلان ترامب عن التوصل إليه، تحدثت تقارير عن مراسم توقيع في جنيف، ثم أعلن فانس أن الاتفاق وُقّع إلكترونياً، قبل أن يوقع ترامب على الاتفاق خلال عشاء في قصر فرساي، عقب اجتماع قادة مجموعة السبع في شرق فرنسا.
كذلك استغرقت الإدارة الأميركية أياماً عدة قبل كشف تفاصيل الاتفاق، فيما وصف المسؤولون الإيرانيون والأميركيون نقاط الاتفاق بعباراتٍ متباينة للغاية. لا يحل الاتفاق المسائل الحاسمة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني. بل يؤجل هذه المسائل إلى جولة تفاوض ثانية مدتها 60 يوماً.
وفي الوقت نفسه، يواجه الاتفاق معارضةً إسرائيلية واضحة وانتقادات من عدد من الجمهوريين في الكونغرس، ما يثير تساؤلات بشأن فرص صموده وتحوله إلى تسوية دائمة. هؤلاء يعتبرون أن مذكرة التفاهم تمنح إيران مكاسب كبيرة في مقابل تنازلات محدودة، خصوصاً أن ملفات حساسة عدة لا تزال مؤجلة إلى جولات التفاوض المقبلة.
وسبق ان صدرت تصريحات غير واضحة من ترامب وفانس بشأن ما إذا كان الاتفاق يتضمن تسهيلات مالية لإيران.
فقد أشار فانس إلى إمكان استفادة طهران من صندوق لإعادة الإعمار بقيمة 300 مليار دولار، قبل أن يؤكد ترامب أن الولايات المتحدة لن تساهم في تمويله، من دون توضيح ما إذا كانت أطراف أخرى ستتكفل ذلك.
وخلال قمة مجموعة السبع، زادت تصريحات ترامب المتناقضة من الالتباس؛ إذ نفى أولاً أن يتضمن الاتفاق تخفيفاً فورياً للعقوبات على إيران، ثم لمّح إلى أن الأمر مرتبط بسلوك طهران.

تحديات جسيمة في الأفق
وبينما تتباهى وسائل الإعلام الإيرانية بـ"الهزيمة الساحقة" للولايات المتحدة، تواجه إيران تحديات جسيمة في المستقبل. اقتصادها في حالة خراب بعد الحرب، ولم يظهر المرشد الأعلى مجتبى خامنئي بعد في الأماكن العامة. وهي تدخل مفاوضات نووية مع الولايات المتحدة بعد أن تعرضت للهجوم خلال جولتين سابقتين.
يظهر قادة إيران ثقة بالنفس، بعد أن تمسكوا بالسلطة على رغم أسابيع من الضربات الكثيفة. كما يعتقدون أنه من غير المرجح أن ينفذ ترامب تهديداته باستئناف الحرب، بسبب قدرة إيران على إغلاق مضيق هرمز وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي.
ومع ذلك، تواجه إيران ضغوطاً اقتصادية متزايدة تجعل نجاح المفاوضات مع الولايات المتحدة مسألة ذات أهمية حيوية.
وقد ساهمت العقوبات في تفاقم الأزمة المعيشية، ما أدى إلى احتجاجات واسعة مطلع العام الحالي. ورغم التغييرات السياسية التي شهدتها البلاد بعد الحرب، لا تزال الأوضاع الاقتصادية تمثل أحد أكبر التحديات أمام القيادة الإيرانية الجديدة.
في هذا السياق، تدفع أصوات معتدلة داخل النظام باتجاه استثمار الفرصة التي تتيحها المفاوضات الجارية مع واشنطن.
لكن الطريق إلى الاتفاق لا تزال مليئة بالعقبات. فالتوتر في لبنان كاد أن يعرقل المفاوضات. وتصر طهران على أن إنهاء الحرب يتطلب أيضاً معالجة ملف الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان، ما يضيف بعداً إقليمياً معقداً إلى المحادثات، خصوصاً مع إصرار اسرائيل علي بقائها في لبنان ونزع سلاح "حزب الله".
أما على الصعيد النووي، فقد نجحت إيران في إبعاده عن نص مذكرة التفاهم، على أن تتم مناقشته خلال فترة الـ60 يوماً، لكنها في المقابل وافقت على إجراءات تتعلق بتقليص مخاطر برنامجها النووي. هذه التنازلات أثارت انتقادات من التيار المتشدد داخل البلاد، الذي يعتبر أنها قد تضعف أوراق القوة الإيرانية.
لذلك، يرى مراقبون أن المرحلة المقبلة ستكون الأصعب، إذ ستتناول القضايا النووية الأكثر حساسية، وسط شكوك بشأن قدرة الطرفين على تحقيق اختراق حقيقي خلال المهلة المحددة للتفاوض.
نبض