بعد الاتّفاق مع أميركا... أيّ نموذج ينتظر الجمهورية الإسلامية الثالثة؟

ايران 19-06-2026 | 08:21

بعد الاتّفاق مع أميركا... أيّ نموذج ينتظر الجمهورية الإسلامية الثالثة؟

السؤال الأهم يتجاوز مصير المفاوضات نفسها، ويتعلق بشكل النظام السياسي في المرحلة المقبلة، وهي مرحلة يصفها البعض بـ"الجمهورية الثالثة" في تاريخ إيران.
بعد الاتّفاق مع أميركا... أيّ نموذج ينتظر الجمهورية الإسلامية الثالثة؟
مواطنون إيرانيون يمرّون أمام جدارية تُصوّر المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي ومؤسس الجمهورية الإسلامية الراحل آية الله روح الله الخميني في طهران، 18 حزيران/يونيو 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

مع دخول مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ، تتجه الأنظار إلى ما هو أبعد من إنهاء الحرب، نحو السؤال الأكثر أهمية المتعلق بمستقبل الجمهورية الإسلامية وطبيعة الحكم في مرحلتها الجديدة.

أثارت هذه المذكرة، ولا تزال، كثيراً من النقاشات، بدءاً من معارضة إسرائيل والمتشددين داخل إيران، وصولاً إلى التساؤلات عمّا إذا كانت المفاوضات بين البلدين خلال الـ60 يوماً المقبلة ستقود إلى اتفاق شامل، وما إذا كان فشلها قد يفتح الباب أمام مواجهة جديدة.

لكن السؤال الأهم يتجاوز مصير المفاوضات نفسها، ويتعلق بشكل النظام السياسي في المرحلة المقبلة، وهي مرحلة يصفها البعض بـ"الجمهورية الثالثة" في تاريخ إيران.

بدأ هذا العصر باغتيال المرشد الأعلى آية الله السيد علي خامنئي وخلافة نجله مجتبى خامنئي له، بالتوازي مع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران التي قُتل خلالها عدد من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين. ويرى بعض الخبراء أن الجمهورية الإسلامية وجدت نفسها أمام واقع جديد، وباتت أكثر تقييداً في أدوارها الداخلية والخارجية، فيما أدرك بعض مسؤوليها، على الأقل، أن بعض السياسات السابقة لم تكن فعالة بالقدر الكافي.

في المقابل، كشفت الحرب بعض عناصر القوة الإيرانية واختبرتها عملياً، وفي مقدمتها القدرات الصاروخية والسيطرة على مضيق هرمز.

 

تحديات المرحلة الجديدة

 

التحدي الأكبر الذي يواجه إيران يتمثل في أسلوب الحكم، ولا سيما في المجالين السياسي والاقتصادي. ويطرح كثيرون سؤالاً أساسياً: هل ستدير القيادة الجديدة التي لم تظهر إلى العلن بعد الجمهورية الإسلامية في مرحلتها الثالثة بالطريقة السائدة منذ عقود؟ أم أنها ستتجه إلى إدخال تغييرات جوهرية على سياساتها؟

يرى بعض المحللين أن توقيع مذكرة التفاهم بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والإيراني مسعود بزشكيان، وهو أمر غير مسبوق منذ الثورة الإسلامية، يشكّل حدثاً مفصلياً "قد يقود إلى تحولات أوسع في المستقبل". في المقابل، يعتبر آخرون أن هذا التوقيع "جاء نتيجة الضرورة لإنهاء الحرب، وأن طهران قد تعود بعد فترة إلى نهجها السابق".

وللإجابة عن هذا السؤال، يمكن الاستفادة من تجارب الحليفين الرئيسيين لإيران، روسيا والصين.

ويعتمد مستقبل الجمهورية الإسلامية بعد هذا التفاهم، وربما بعد الاتفاق النهائي المحتمل خلال شهرين، على خمسة متغيرات رئيسية: هيكل السلطة الداخلية، الوضع الاقتصادي، دور الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية في إدارة البلاد، الضغط الاجتماعي والاستياء العام الذي تحوّل إلى اضطرابات دامية في حزيران/يونيو الماضي، ودرجة اندماج إيران في الاقتصاد العالمي.

 

السيناريو السوفياتي... الانهيار الهيكلي

 

يتكرر نموذج انهيار الاتحاد السوفياتي في إيران إذا توافرت عدة شروط.

أولاً، أن يصبح الاقتصاد الإيراني، بفعل العقوبات الأميركية والفساد وضعف الإدارة، عاجزاً بصورة مزمنة عن تلبية احتياجات الدولة والمجتمع.

ثانياً، أن تفقد أيديولوجية ولاية الفقيه قدرتها على إنتاج الشرعية السياسية.

ثالثاً، أن يتعمق الانقسام بين النخب السياسية ويتراجع التماسك داخل السلطة.

وعند تزامن الضغوط الخارجية مع الأزمات الداخلية، قد يحدث انهيار هيكلي شبيه بما جرى في الاتحاد السوفياتي بعد سياسات الغلاسنوست والبيريسترويكا في عهد ميخائيل غورباتشوف، والتي انتهت بانهيار الاتحاد والكتلة الشرقية.

ومع ذلك، تشير المعطيات إلى أن احتمال تحقق هذا السيناريو ليس مرتفعاً، لأن عوامل التفكك لا تزال أضعف من عوامل التماسك. كما أن نجاح التفاهم مع واشنطن في إنعاش الاقتصاد وتحسين الوضع المالي قد يحد من احتمالات الانهيار، حتى في حال غياب الإصلاحات السياسية.

 

الرئيس السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشوف (يمين) يصافح الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الأب في موسكو، تموز/يوليو 1991. (رويترز)
الرئيس السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشوف (يمين) يصافح الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الأب في موسكو، تموز/يوليو 1991. (رويترز)

 

 

السيناريو الصيني... اقتصاد منفتح وسياسة مغلقة

 

يقوم النموذج الصيني بعد ماو تسي تونغ على الحفاظ على البنية السياسية القائمة مع الانفتاح الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأجنبية، من دون انتقال موازٍ نحو الانفتاح السياسي.

ويبدو هذا السيناريو أكثر واقعية من السيناريو السوفياتي، لأن القيادة الجديدة والحرس الثوري، اللذين يتمتعان اليوم بنفوذ واسع داخل النظام، قد يكونان مستعدين لقبول إصلاحات اقتصادية، لكن من دون المخاطرة بفتح المجال السياسي.

غير أن نجاح هذا الخيار يتطلب ثلاثة شروط أساسية:

أولاً، أن يؤدي الاتفاق مع أميركا إلى تخفيف العقوبات.
ثانياً، أن تنجح إيران في جذب استثمارات أجنبية واسعة.
ثالثاً، أن تسمح المؤسسات الأمنية، ولا سيما الحرس الثوري، بزيادة التنافسية الاقتصادية وتقليص الاحتكارات.

لكن الفارق الأساسي بين إيران الحالية والصين بعد ماو يتمثل في أن بكين كانت تمتلك حزباً واحداً شديد التماسك ومركز قرار واضحاً، فيما تضم إيران مراكز قوى متعددة تتقاطع أحياناً وتتعارض أحياناً أخرى.

 

الطريق الثالث... النموذج الأكثر ترجيحاً

 

في كثير من التحليلات، يبدو أن المسار الأكثر احتمالاً ليس الانهيار الكامل ولا التحول إلى نسخة إيرانية من النموذج الصيني، وإنما نموذج هجين يجمع بين عناصر من الاثنين.

ويقوم هذا النموذج على أربع سمات رئيسية:

1- تحرير اقتصادي محدود من دون تغييرات سياسية جوهرية.
2- اشتداد المنافسة بين الأجنحة الداخلية على مصادر النفوذ والثروة.
3- نمو اقتصادي متقطع تتخلله أزمات دورية.
4- تراجع التوتر الخارجي في بعض المراحل وعودته في مراحل أخرى، بما قد يقود إلى أزمات أو حتى حروب جديدة.

وبذلك، قد تجد إيران نفسها في المدى المتوسط معلقة بين اقتصاد أكثر انفتاحاً وسياسة أكثر انغلاقاً، إلى أن تتبلور موازين القوى الجديدة داخل النظام.

أما إذا بقي الاقتصاد أسير الفساد والاحتكار والريع وهيمنة الدولة، ولم يتجه نحو المنافسة والشفافية، وإذا استمر المجال السياسي خاضعاً للأيديولوجيا وإقصاء المعارضين والأوليغارشية السياسية، فمن المرجح أن تواجه الجمهورية الإسلامية في مرحلتها الثالثة أزمات أكثر عمقاً خلال السنوات المقبلة.

 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 6/18/2026 6:10:00 AM
يعتبر "الجنرال" أن إخفاء هويّته يحرّره تماماً من الضغوط الاجتماعية والروابط العشائرية والمجاملات السياسية.
شمال إفريقيا 6/16/2026 11:26:00 PM
لغز "الأتوبيس الأسود" في القاهرة ينتهي.. والداخلية تكشف التفاصيل
لبنان 6/18/2026 5:05:00 PM
اعتمد "حزب الله" على مسيّرات متفجّرة تعمل بالألياف الضوئية في مهاجمة قوات ومواقع إسرائيلية، وقال مسؤولون فيه إنها تُصنّع في لبنان.
لبنان 6/18/2026 8:05:00 PM

الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة على فرنجية وقماطي وشبكة مالية مرتبطة بـ"حزب الله" في لبنان وسوريا والعراق وعُمان