معركة الإنترنت تنفجر داخل النظام الإيراني... القضاء يتحدى بزشكيان علناً
تحوّل قرار إعادة الإنترنت في إيران إلى مواجهة مفتوحة داخل مؤسسات الحكم، بعدما تدخّل القضاء الإيراني لتجميد قرار الحكومة الذي كان من المفترض أن ينهي انقطاع الشبكة المستمر منذ أشهر. وبينما قدّم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الخطوة على أنها استجابة لمطالب شعبية واقتصادية متصاعدة، كشفت ردود فعل خصومه حجم الانقسام داخل النظام حيال حرية الاتصالات وإدارة الفضاء الإلكتروني، في مشهد يعكس صراعاً يتجاوز قضية الإنترنت نفسها إلى طبيعة توازن القوى داخل البلاد.
وبالتزامن مع انتشار أخبار إيجابية بشأن تفاهم إيراني-أميركي لإنهاء الحرب، شاع في إيران خبرٌ اعتبره المواطنون بارقة أمل طال انتظارها، وهو إعادة وصل الإنترنت الدولي بعد انقطاع دام ثلاثة أشهر. وقد أكدت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني، ووزير الاتصالات ستار هاشمي، أن أوامر بزشكيان بإعادة الخدمة ستدخل حيّز التنفيذ.
وجاء القرار عقب تشكيل "لجنة طوارئ" الأسبوع الماضي، بأمر مباشر من بزشكيان، بصفته رئيساً للجمهورية ورئيساً للمجلس الأعلى للأمن القومي، استجابةً للمطالب الشعبية المتزايدة. وفي الاجتماع الأول للجنة، صوّت جميع الأعضاء لمصلحة إعادة الخدمة، باستثناء ثلاثة فقط. وعقب القرار، قال مساعد وزير الاتصالات إحسان جيت ساز إن "الإنترنت هو أوكسيجين الاقتصاد الرقمي، وشريان الأمل لجيل الشباب، وعمود الثقة العامة، فلا يمكن لأي أمة أن تتصل بالمستقبل عبر قطع الاتصال بالعالم".
خصوم "الأوكسيجين الرقمي"
بعد صدور القرار، كشفت وسائل إعلام إيرانية هوية اثنين من أبرز المعارضين لإعادة الإنترنت، وهما رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية بيمان جبلي، وأمين المجلس الأعلى للفضاء السيبراني محمد آقاميري. ويُعد الأخير من الشخصيات المثيرة للجدل، إذ وصل إلى المنصب في عهد حكومة إبراهيم رئيسي، وسط انتقادات مرتبطة بصغر سنه وضعف خبرته، فضلاً عن علاقاته العائلية النافذة. فهو نجل رئيس جامعة الشهيد بهشتي، وصهر رئيس معهد أبحاث العلوم الأساسية محمد جواد لاريجاني، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه الحريات الاجتماعية والسياسية.
وبحسب الرئيس السابق للإذاعة والتلفزيون وعضو المجلس الأعلى للفضاء السيبراني محمد سرافراز، فإن المجلس لم يعقد أي جلسة طوال العام الماضي، فيما سعى بعض أعضائه إلى استيراد معدات صينية متطورة للقطع الكامل والشامل للإنترنت.
"إنترنت برو" وفشل الذريعة الأمنية
ارتبط تحرك الحكومة أيضاً بقرار مثير للجدل اتخذته شركات الاتصالات، تمثل ببيع خدمة الإنترنت بأسعار مرتفعة تحت اسم "إنترنت برو". وتقول مصادر مطلعة إن الهدف الحقيقي من الخطة يتمثل في تأمين أرباح ضخمة لسداد ديون الشركات للمقاولين.
ويرى خبراء في تقنية المعلومات أن هذه الخطوة تكشف ضعف الذرائع الأمنية المستخدمة لتبرير قطع الإنترنت، إذ يتساءلون: كيف يمكن للأموال أن تزيل "التهديد الأمني" وتسمح لمن يدفع باستخدام الشبكة؟ كما أن وقوع عمليات اغتيال عدة خلال "حرب الأربعين يوماً" مع الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم انقطاع الإنترنت، عزز القناعة بأن الحجب لم يحقق الردع الأمني المطلوب.
وفي موازاة ذلك، حققت تجارة برامج كسر الحجب (VPN) أرباحاً ضخمة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، فيما يرى مراقبون أن المستفيدين من هذه السوق يقفون أيضاً خلف معارضة إعادة الخدمة. ويحذر خبراء اجتماع من أن صبر الإيرانيين بدأ ينفد، وأن استمرار المماطلة قد يقود إلى تداعيات يصعب احتواؤها.

القضاء يجمّد القرار... وصراع داخل النظام
رغم قرار الحكومة، انتشر ظهر اليوم الثلاثاء خبرٌ صادم يفيد بأن "ديوان العدالة الإدارية" التابع للسلطة القضائية أمر بوقف تنفيذ قرار اللجنة الحكومية، إلى حين البت في الشكاوى المقدمة ضدها. ويعني ذلك عملياً تجميد إعادة الإنترنت، وتعريض أي مسؤول ينفذ القرار، بمن فيهم الرئيس أو وزير الاتصالات، للملاحقة القضائية.
لكن خبراء قانونيين يؤكدون أن قرار بزشكيان صدر بصفته رئيساً للمجلس الأعلى للأمن القومي، وإذا حظي بتأييد المرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي، فلن تتمكن أي جهة قضائية من عرقلته.
وكشف موقع "انتخاب" لاحقاً أسماء مقدمي الشكاوى الأربعة، وهم كاميار ثقفي، ورضا تقي بور، ورسول جليلي، ومحمد حسن انتظاري، وجميعهم من خصوم حكومة بزشكيان والمعارضين لحرية المعلومات والاتصالات. ويُعرف رسول جليلي، المقرب من سعيد جليلي، بلقب "أب الفلترة" في إيران، كما يمتلك شركات متخصصة في أمن الشبكات.
"نظام بدماغين"
تعكس هذه التطورات انقساماً عميقاً داخل مؤسسات الحكم الإيرانية، خصوصاً في إدارة الملفات الحساسة خلال الأزمات. فقد عارضت صحيفة "همشهري" التابعة لبلدية طهران قرار إعادة الإنترنت، معتبرةً أنه يهدد "وحدة القيادة" في ظروف الحرب، ما يكشف أن جزءاً من مؤسسات الدولة لا يزال ينظر إلى الإنترنت بوصفه تهديداً أمنياً لا خدمة عامة.
وفي هجوم حاد، وصف النائب حميد رسائي اللجنة الحكومية بأنها "غير قانونية"، واعتبر قراراتها مخالفة لتوجهات الأجهزة الأمنية، كما شكك في قانونية تولي محمد رضا عارف منصب النائب الأول للرئيس ورئاسة اللجنة، بذريعة إقامة نجله في الولايات المتحدة.
ولخّص المحلل حميد آصفي المشهد بوصفه "صورة إشعاعية لنظام بدماغين"، إذ تضغط الحكومة بيد على زر "الاتصال"، بينما تسحب مؤسسات أخرى السلك باليد الثانية. ففي الصباح تعِد الحكومة بـ"انفراجة رقمية"، وفي المساء يجمد القضاء القرار داخل "ثلاجة البيروقراطية".
ولا يبدو الأمر مجرد خلاف إداري، بل هو صراع داخل ما وصفه آصفي بـ"جمهورية القلق"، حيث تتحرك الحكومة والقضاء والأجهزة الأمنية ومراكز النفوذ في اتجاهات متناقضة، فيما يبقى المواطن الإيراني الخاسر الأكبر.
ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل تستطيع حكومة بزشكيان فرض قرارها وإعادة الإنترنت بالكامل، أم أن خصوم الانفتاح الرقمي سيتمكنون مجدداً من تعطيل أي تغيير؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
صباح الخير من "النهار"...
إليكم أبرز الأخبار والتحليلات لليوم الثلاثاء 26 أيار/ مايو 2026اتّسمت الحلقة الثانية من مرحلة المواجهات بأجواء حماسية، مع استمرار النجوم المدرّبين رامي صبري وداليا مبارك والشامي في اختيار الأصوات المتأهلة إلى المرحلة المقبلة.
نبض