الغلاء يضرب إيران في زمن الهدنة… شبح الانفجار الاجتماعي يقترب؟
يرى خبراء أن الغلاء الحالي في إيران لا يمكن تفسيره بالحرب وحدها، بل أيضاً بالأجواء النفسية التي تدفع بعض التجار والوسطاء إلى رفع الأسعار استباقياً.
تعيش إيران حالةً معلّقة بين الحرب والسلم. فلا وقف إطلاق نار دائماً حتى الآن مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا المفاوضات بين طهران وواشنطن وصلت إلى نتيجة حاسمة. وفي ظل هذا المشهد المتوتر، وجد الإيرانيون أنفسهم أمام موجة جديدة من ارتفاع الأسعار طالت المساكن والسيارات والمواد الغذائية والأدوية، وسط مخاوف من أن يتحول الضغط المعيشي إلى أزمة اجتماعية أوسع.
تشير تقديرات اقتصادية إلى أن استمرار الترقب المرتبط بالحرب قد يؤدي إلى تصاعد موجة الغلاء، وربما فتح الباب أمام احتجاجات اجتماعية جديدة، خصوصاً أن نحو 60 مليون إيراني من أصل 90 مليوناً يُعدّون من الفئات الأكثر هشاشة أمام الصدمات الاقتصادية وارتفاع الأسعار.
القلق يسبق العوامل الاقتصادية
خلال الأيام الأخيرة، بدا أن موجة الغلاء الجديدة لا ترتبط فقط بعوامل اقتصادية مباشرة، بل أيضاً بحالة الترقب والقلق التي تسيطر على السوق مع استمرار التوتر واحتمال عودة المواجهة. وقد انعكس ذلك قلقاً واسعاً لدى المواطنين، ولا سيما بين الموظفين والعمال والمتقاعدين الذين يخشون العجز عن تأمين احتياجاتهم اليومية، فيما يُعدّ فقدان آلاف العمال وظائفهم في القطاع الخاص من أبرز مؤشرات تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
وأدّت هذه التطورات إلى تصاعد مطالب شعبية باتخاذ إجراءات حازمة ضد الاحتكار والاستغلال. وأعلنت الحكومة الإيرانية والسلطة القضائية عزمهما التعامل بشدّة مع أيّ حالات لرفع الأسعار. لكن تجارب سابقة تشير إلى أن هذه الإجراءات غالباً ما تكون موقتة ومحدودة التأثير.
ويعود جزء من استياء الإيرانيين إلى التغير المستمر في أسعار السلع الأساسية مثل الزيت ومنتجات الألبان والبيض والدجاج، إذ تتبدل أسعارها كلّ بضعة أيام. وكانت الحكومة قد ألغت قبل الحرب تخصيص العملة المدعومة لبعض السلع الأساسية، واستبدلت ذلك بمنح نقدية للمواطنين، غير أن كثيرين يعتبرون أن هذه المبالغ لم تعد تكفي لتغطية الاحتياجات اليومية.
وفي متاجر طهران، بات غياب الاستقرار السعري أبرز ما يثير غضب الناس. ويقول المشترون إن المشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في تغيّرها السريع خلال أيام قليلة، ما يجعل التخطيط للإنفاق اليومي أمراً بالغ الصعوبة.
وفي أحد المتاجر المحلية، سألت امرأة تحمل سلة صغيرة البائع عن سبب ارتفاع سعر أحد المنتجات مقارنة بالأسبوع الماضي، فأجابها بأن "المنتجين هم الذين رفعوا الأسعار" وأن الأمر لا علاقة له بالبائعين.
ورغم تأثر اقتصاد المنطقة وإيران بالحرب التي بدأت قبل نحو 75 يوماً، يرى خبراء أن الغلاء الحالي لا يمكن تفسيره بالحرب وحدها، بل أيضاً بالأجواء النفسية التي تدفع بعض التجار والوسطاء إلى رفع الأسعار استباقياً مع كل حديث عن حصار بحري أو تصعيد جديد.
ويقول مواطنون إن الحكومة لا ينبغي أن تترك السوق من دون رقابة في مثل هذه الظروف، حتى لو كانت البلاد تمر بمرحلة حرب وضغوط اقتصادية كبيرة.
من جهته، أكد الرئيس مسعود بزشكيان أن ظروف الحرب لا يجب أن تتحول إلى ذريعة لرفع الأسعار أو الإخلال باستقرار السوق، داعياً إلى تشديد الرقابة على سلاسل الإمداد والتوزيع.
ويرى خبراء اقتصاديون أن تهدئة السوق تحتاج إلى ضمان توافر السلع الأساسية بشكل مستمر، وتعزيز الرقابة على شبكات التوزيع، ومواجهة الاحتكار بسرعة، إضافة إلى إدارة الأجواء النفسية المرتبطة بالحرب عبر وسائل الإعلام والخطاب الرسمي. ويشير هؤلاء إلى أن الأسواق لم تشهد نقصاً حاداً في السلع أو الأدوية حتى خلال أيام القصف، ما يعني أن جزءاً كبيراً من الأزمة يرتبط بحالة القلق وعدم اليقين.

السيارات والعقارات… ركود رغم ارتفاع الأسعار
وفي الأيام الأخيرة، تلقت الأسواق الإيرانية صدمة جديدة مع الارتفاع اللافت في أسعار السيارات، بعدما أدت الهجمات على مصانع الصلب إلى تراجع توافر صفائح الفولاذ المستخدمة في هذا القطاع الصناعي. وتشير التقارير إلى أن إنتاج السيارات تراجع بنحو الثلث مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، فيما ارتفعت الأسعار بنحو 70 في المئة.
وترافقت هذه الزيادات في الأسعار مع ركود واضح في حركة البيع والشراء، سواء في سوق السيارات أو العقارات.
ويؤكد خبراء في قطاع السيارات أن الحرب والعقوبات واحتمال الحصار البحري زادت صعوبة الاستيراد وتنظيم السوق، في وقت تعتمد فيه صناعة قطع الغيار الإيرانية بدرجة كبيرة على الخارج. كما أن تعويض النقص في الإنتاج المحلي عبر الاستيراد يبدو شبه مستحيل في ظل القيود الاقتصادية الحالية.
تبدو الحرب بالنسبة إلى كثير من الإيرانيين أزمةً يومية تُقاس بأسعار الغذاء والدواء والسكن أكثر مما تُقاس بالتطورات العسكرية. وبين هدنة هشة واحتمال عودة المواجهة، تتزايد المخاوف من أن تتحول الضغوط المعيشية إلى أحد أخطر التحديات الداخلية التي تواجهها إيران خلال المرحلة المقبلة.
نبض