تبادل النار في هرمز... بداية انهيار الهدنة الأميركية - الإيرانية؟
تبادل إطلاق النار في مضيق هرمز يثير المخاوف من تصعيد جديد بين واشنطن وطهران، وسط استمرار المفاوضات والهدنة الهشة بين الطرفين.
رغم سريان هدنة هشة بين واشنطن وطهران، أعاد تبادل إطلاق النار في مضيق هرمز رفع المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع. وبينما يتمسّك الطرفان بمسار التفاوض، تكشف الضربات المتبادلة أن الصراع لم يغادر الميدان.
تصعيد أميركي - إيراني في هرمز
أعلنت الولايات المتحدة تنفيذ غارات على أهداف عسكرية إيرانية بعدما اتهمت طهران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة على سفن حربية أميركية في مضيق هرمز، في تصعيد جديد يهدّد الهدنة الهشة المستمرة منذ شهر بين الطرفين. وقالت القيادة المركزية الأميركية إن القوات الأميركية "حيّدت التهديدات" ثم استهدفت مواقع إيرانية مرتبطة بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة ومراكز القيادة والسيطرة.
في المقابل، اتهم الجيش الإيراني واشنطن بانتهاك وقف إطلاق النار عبر استهداف ناقلة نفط إيرانية، مؤكداً أنه ردّ بمهاجمة سفن أميركية في المنطقة. ورغم تبادل إطلاق النار، شدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أن الهدنة لا تزال قائمة، مهدداً في الوقت نفسه بمزيد من الضربات إن لم توافق إيران سريعاً على اتفاق.
وتزامن التصعيد مع انفجارات في بندر عباس وجزيرة قشم وطهران، فيما حذرت إيران من أن الولايات المتحدة "انتهكت وقف إطلاق النار". ويأتي ذلك بينما يجري الطرفان، وفق مسؤولين إيرانيين، مباحثات حول اتفاق يشمل رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية وإعادة فتح مضيق هرمز مقابل هدنة تمتد 30 يوماً، وسط خلافات مستمرة بشأن برنامج إيران النووي.
وفي ظل هذا التصعيد، تتزايد التساؤلات عما إذا كان تبادل النار الأخير مؤشراً إلى انهيار فعلي للهدنة بين واشنطن وطهران، أم يندرج ضمن تصعيد محسوب يهدف إلى تحسين شروط التفاوض والضغط المتبادل قبيل أي اتفاق أوسع بشأن المضيق والحصار. ويطرح المشهد سؤالاً آخر: هل تتجه المنطقة نحو عودة تدريجية للحرب، أم نحو تكريس نمط جديد من الاشتباك؟
انهيار الهدنة؟
ويقول الدكتور في العلاقات الدولية والخبير في السياسة الدفاعية والشؤون الاستراتيجية والأمنية فراس إلياس لـ"النهار" إن ما جرى في مضيق هرمز لا يبدو مؤشراً إلى انهيار كامل للهدنة، بقدر ما يعكس انتقالها من "هدنة التجميد" إلى "هدنة الاشتباك المنضبط". فالتبادل الأخير لإطلاق النار يحمل سمات تصعيد محسوب أكثر مما يوحي بعودة فورية إلى حرب شاملة.
ويضيف أن "الولايات المتحدة تحاول، من خلال هذا التصعيد، ترميم صورة الردع البحري بعدما أدركت أن الحصار وحده لا يكفي لدفع إيران إلى تقديم تنازلات جوهرية بشأن مضيق هرمز". لذلك "جاءت الضربات الأخيرة كرسائل قوة محدودة تهدف إلى تثبيت حرية الملاحة، واختبار قواعد الاشتباك الإيرانية، وإفهام طهران أن واشنطن قادرة على الانتقال من الضغط الاقتصادي إلى الضغط العسكري البحري".

في المقابل، يشير إلى أن إيران لا تتعامل مع هذه الضربات "باعتبارها مقدمة لحرب حتمية، بل تراها جزءاً من معركة إرادات طويلة حول من يملك القدرة على فرض قواعد السيطرة في المضيق". ولهذا بقيت ردودها ضمن إطار "الحرب الرمادية، أي ردود مدروسة تحافظ على صورة القدرة الإيرانية من دون دفع واشنطن إلى قرار الحرب المفتوحة". فطهران تدرك أن إغلاق هرمز بالكامل أو استهداف المصالح الأميركية على نطاق واسع قد يؤدي إلى انهيار المسار التفاوضي، وربما إعادة إنتاج سيناريو الحرب الشاملة التي تحاول تجنبه بعد كلفة حرب 2026.
الوضع قابل للانفجار؟
ويشير إلياس إلى أن "الأهم هو أن الطرفين لا يتصرفان بعقلية إنهاء التفاوض، بل بعقلية تحسين شروطه. فواشنطن تريد اتفاقاً يضمن أمن الملاحة ويقيّد قدرة إيران على استخدام هرمز كورقة ضغط استراتيجية، فيما تسعى طهران إلى انتزاع اعتراف عملي بدورها الأمني في المضيق ورفع تدريجي للحصار والعقوبات المرتبطة بالملاحة والطاقة".
لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن هذا النمط من الاشتباك المنضبط يبقى قابلاً للانفجار في أي لحظة بسبب سوء التقدير. وهنا تكمن المعضلة الأساسية: الطرفان يريدان استخدام القوة لتحسين شروط التفاوض، لكن استمرار استخدام القوة يرفع تدريجاً احتمالات فقدان السيطرة على التفاوض نفسه.
ويختم بالقول إن المنطقة ليست أمام "سلام مستقر"، كما أنها ليست أمام "حرب شاملة وشيكة"، بل أمام مرحلة وسطية أكثر تعقيداً تقوم على تثبيت نمط اشتباك دائم تحت سقف التفاوض. وقد يستمر هذا النمط لفترة طويلة ما دامت الضربات محدودة، والردود محسوبة، وقنوات التفاوض الخلفية مفتوحة.
من جهته، يقول رئيس أكاديمية التطوير السياسي والحكم الرشيد عبد الرحمن الجبوري لـ"النهار" إنه لا يعتقد أن "الطرفين يريدان انهيار المفاوضات أو انتهاء الهدنة والانتقال إلى المرحلة الثالثة من الصراع في الوقت الراهن". ومع ذلك، "يواصل الجانبان التفاوض وسط انعدام الثقة المتبادل، بالتوازي مع استمرار العمل الاستخباري ورفع مستوى الجاهزية العسكرية".
ويضيف أن "المرحلة المقبلة قد تشهد احتكاكات ميدانية وتبادلاً محدوداً لإطلاق النار، في إطار تذكير متبادل بأن كلا الطرفين لا يزال يستعد لمواجهة محتملة إذا فشلت المفاوضات أو أخفق كل طرف في تحقيق الحد الأدنى من أهدافه التفاوضية".
نبض