حصار طويل الأمد... إيران أمام اختبار "الصمود الاستراتيجي"
يكشف الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية تحدياً غير مسبوق لاستراتيجية طهران القائمة على "أسطول الظل" والسيطرة على مضيق هرمز. وبين الضغوط الاقتصادية والتصعيد البحري، تدخل المواجهة الأميركية الإيرانية مرحلة حساسة وتختبر قدرة إيران على الصمود أمام حصار طويل الأمد.
على مدى 5 عقود، نجحت ايران في الصمود أمام الضغوط الأميركية من خلال بيع النفط إلى الصين. وواجهت القوة العسكرية الأميركية بتكتيكات حرب العصابات. لكن مع الحصار الذي تفرضه البحرية الأميركية، ربما تكون تلك الاستراتيجية قد وجدت من يضاهيها.
اعتقدت طهران أنها تكتسب اليد العليا بعد بدء الحرب في شباط/فبراير، إذ هاجمت السفن التي تبحر في مضيق هرمز، وأوقفت حركة الملاحة التجارية، وحجبت إمدادات من النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وبعد 6 أسابيع من الصراع، ردت الولايات المتحدة بحصار الشحنات من جميع الموانئ الإيرانية.
أدى ذلك إلى تعطيل شبكة السفن السرية الإيرانية، ولم تتمكن الناقلات من اختراق طوق السفن الحربية الأميركية التي طاردتها حتى المحيط الهندي.
ويستعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لحصار طويل الأمد. وفيما تراهن طهران على أن الضغوط الاقتصادية وارتفاع أسعار الطاقة سيدفعان واشنطن إلى التراجع، تعتقد الإدارة الأميركية أن الأزمة الاقتصادية الخانقة ستجبر إيران على تقديم تنازلات. وقد انعكس الحصار بوضوح على الداخل الإيراني مع فقدان أكثر من مليون وظيفة، وارتفاع الأسعار، وانهيار العملة إلى مستويات قياسية.
حصار مُحكم؟
ويقول أستاذ العلوم السياسية العميد الركن حسن جوني لـ"النهار" إن "الحديث عن حصار أميركي كامل لإيران يحتاج إلى قدر من التوضيح"، مشيراً إلى أن تقارير تحدثت عن تمكن عشرات السفن الإيرانية من الإفلات من الحصار.
ويضيف أن "الجغرافيا الإيرانية تجعل فرض حصار محكم أمراً بالغ الصعوبة، نظراً إلى امتداد السواحل الجنوبية الإيرانية لنحو 2400 كيلومتر، فضلاً عن حدودها الواسعة مع العديد من الدول". إلا أن جوني يشير في المقابل إلى أن قطاع النفط الإيراني يتعرض لضغط حقيقي، إذ إن "استمرار الحصار يؤثر مباشرة في قدرة طهران على تصدير النفط، ما ينعكس على الاقتصاد الإيراني وسعر العملة المحلية، وسط تقارير عن ضغوط متزايدة على آبار النفط".
ويرى جوني أن الحصار البحري، رغم تأثيره الاقتصادي، لا يلغي أهمية ورقة مضيق هرمز بالنسبة إلى إيران. فالمضيق، بحسب قوله، لا يقتصر تأثيره على إيران وحدها، بل "يطال الأمن البحري العالمي وأسواق الطاقة الدولية، بما فيها الولايات المتحدة وأوروبا والصين".
ويحذر جوني من أن "تصاعد الضغوط الاقتصادية قد يدفع إيران إلى خطوات تصعيدية إذا شعرت بأن الحصار بات خانقاً وغير قابل للتحمل، سواء عبر استهداف سفن في المنطقة بالصواريخ أو المسيّرات، أو من خلال احتكاكات بحرية مباشرة، أو حتى عبر تفعيل أوراق أخرى مثل باب المندب".
حصار ايران... ورقة ضغط حقيقية؟
من جهته، يقول الباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية ناجي ملاعب لـ"النهار" إن إيران "اعتادت اعتماد خطاب التحدي والمكابرة في مواجهة الضغوط الأميركية"، مشيراً إلى ان "اتساع الحدود البرية الإيرانية يمنح طهران قدرة على الالتفاف على جزء من القيود المفروضة عليها".
لكن ملاعب يلفت إلى أن الخطر الحقيقي يتمثل في ملف النفط، موضحاً أن استمرار تجميد الصادرات أو وقف الاستخراج لفترات طويلة قد يؤدي إلى أضرار كبيرة في الآبار النفطية نفسها، ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد الإيراني. ورغم ذلك، يرى أن أولوية النظام الإيراني تبقى "الحفاظ على بقائه"، حتى في ظل تدهور العملة والأوضاع الاقتصادية.
وفي ما يتعلق بمضيق هرمز، يرى ملاعب أن "الوضع الميداني يمنح إيران أفضلية جغرافية، إذ إن الممرات الصالحة لعبور السفن تقع عملياً في الجانب الأقرب إلى السواحل الإيرانية".
ويضيف أن الولايات المتحدة تحاول حشد دعم دولي لحماية الملاحة وفتح المضيق، إلا أن الأزمة لا تضغط على إيران وحدها، بل تمتد أيضاً إلى الداخل الأميركي مع ارتفاع أسعار الوقود وتزايد الضغوط السياسية على الرئيس الأميركي داخل الكونغرس، فضلاً عن تململ الدول المستوردة للنفط من تداعيات الحصار وارتفاع الأسعار عالمياً.
نبض