إيران تستعدّ لحرب جديدة من نوع آخر... "أسطول البرغش" يغيّر الحسابات
منذ دخول هدنة الثامن من نيسان/أبريل 2026 بين أميركا وايران حيّز التنفيذ، انهمكت دوائر الاستخبارات الدولية في فك شفرة "المجهول العسكري" في إيران. والتقارير الصادرة عن معهد دراسة الحرب (ISW) الأميركي ومركز "ألما" الإسرائيلي ترسم ملامح واقع ميداني مثير، إذ تشير التقديرات إلى أن العمليات الأخيرة قد حيّدت ما يقرب من 50% من القدرة الصاروخية الإيرانية. لكن الضربة الأكثر استراتيجية كانت في شلل مرافق إنتاج الوقود الصلب.
أما في مكاتب التخطيط في إيران، فيبدو أن الرهان تحوّل من "دقة الإصابة" إلى "كثافة النيران". وتعتمد الخطة الحالية وفق خبراء عسكريين على ما يُعرف بعقيدة "الإغراق التشبعي"، وهي استراتيجية تستخدم المنصّات المخفيّة لإطلاق دفعات هائلة من المسيّرات والصواريخ الرخيصة التكلفة لدفع المنظومات الدفاعية الأكثر تطوّراً مثل "ثاد" و"باتريوت" إلى استهلاك مخزونها المكلف من صواريخ الاعتراض.
ولا تقتصر استراتيجية الاستنزاف الإيرانية على كثافة إطلاق الصواريخ، بل تمتدّ لتطال عصب الاقتصاد العالمي في مضيق هرمز عبر توظيف الألغام البحرية وأسراب الزوارق السريعة، وهو تكتيك يهدف لرفع كلف التأمين وأسعار النفطعالمياً، إلا أنه قوبل أيضاً بحصار أميركي مضادّ منع طهران من تصدير نفطها.
والسؤال الأهم اليوم: هل تنجح إيران في تحويل ضعفها التقني إلى "قوة استنزاف" غير متماثلة؟ وهل هي قادرة على خوض حرب جديدة في حال فشل المحادثات، أم أن ما تملكه اليوم لا يتعدى كونه محاولات ترميم لردعٍ انكسر بالفعل؟
تحت الأنقاض الجبلية: استراتيجية "الطمر" ومعضلة الخروج
خلف الجبال الشاهقة التي تخفي "مدن الصواريخ" الإيرانية، تدور اليوم معركة من نوع آخر، معركة لا تُستخدم فيها الرؤوس الحربية، بل الجرافات والآليات الثقيلة لإعادة فتح مداخل الأنفاق التي سدّتها وربما طمرتها الغارات الأخيرة.
من بيروت، وفي حديثه لـ"النهار"، يرسم العميد المتقاعد والخبير العسكري خليل الحلو صورة قاتمة لواقع القدرات الإيرانية، واصفاً إياها بأنها تعيش مرحلة "ترميم ما لا يمكن ترميمه".
يكشف الحلو أن الاستطلاعات الجوّية رصدت تحركاً إيرانياً استباقياً يعكس ذكاءً ميدانياً وتخوفاً عميقاً في آن، حيث طُمرت منصّات إطلاق الصواريخ المتحركة تحت الأرض قبل بدء الهجمات. لكن هذا "الاختباء الناجح" تحوّل إلى فخ تقني إذ أدّى القصف المركّز لمداخل الأنفاق المحصّنة إلى عزل مخزون معتبر من الصواريخ الصالحة للاستخدام خلف أطنان من الركام، ما جعل القدرة على الرد محكومة بمدى سرعة الفرق الهندسية في فتح "فوهات" جديدة تحت ضغط المراقبة الجوّية اللصيقة.
وعلى جبهة الدفاع الجوّي، يتحدث الحلو عن حالة "شلل شبه تام" أصابت المنظومات الرادارية والصاروخية الثقيلة، ما دفع طهران للارتداد إلى تكتيكات بدائية نوعاً ما، عبر الاعتماد على الصواريخ المحمولة على الكتف (MANPADS).
هذه الأسلحة، رغم محدودية مداها الذي لا يتجاوز 6 كيلومترات، أجبرت الطيران المعادي أخيراً على المناورة في ارتفاعات منخفضة، لكنها ظلت عاجزة عن خلق "مظلة حماية" حقيقية للمنشآت الحيوية.
خناق "الوقود الصلب" ورهان "أسطول البرغش"
بعيداً عن جبهات القتال، تدور المواجهة الحقيقية في سلاسل التوريد.
يلفت الحلو إلى أن تدمير المعدات الأساسية للتصنيع، بالتوازي مع الحصار التكنولوجي الصارم، أصاب عصب القوة الإيرانية: الوقود الصلب (Solid Propellant). ومع اعتراض شحنات المواد الأولية الواردة من الصين، انخفضت وتيرة الرشقات الإيرانية من مئات الصواريخ إلى "تنقيط عسكري" لا يتجاوز 15 صاروخاً يومياً، وهي كمّية يسهل على الدفاعات الجوّية للتحالف اعتراضها بنسبة نجاح تكاد تكون كاملة.
ومع تآكل خيار "الردع الباليستي"، تحاول طهران التمسّك بآخر أوراقها البحرية: "أسطول البرغش" (Mosquito Fleet). وهي زوارق سريعة مصنوعة من "الفايبرغلاس" للإفلات من الرادارات التقليدية. لكن، كما يوضح الحلو، فإن هذا الرهان يصطدم بالتفوّق النوعي للتقنيات الغربية، إذ تظلّ هذه الزوارق "أهدافاً ساخنة" أمام أنظمة الرصد الحراري وطائرات (A-10) المخصّصة لصيد الأهداف السطحية.
/WhatsApp%20Image%202026-04-25%20at%2011.54.31%20AM.jpeg)
كيف تُقايض طهران مسيّراتها بالتكنولوجيا الشرقية؟
في الوقت الذي تروّج فيه طهران لترسانتها من الصواريخ الفرط صوتية، يشير المحللون العسكريون إلى وجود طبقة أكثر تعقيداً وسرية من التعاون التقني الذي يغذي آلة الحرب الإيرانية.
في لقاء مع "النهار"، يكشف العميد ناجي ملاعب، الخبير الأمني والاستراتيجي، عن خريطة طريق الدعم "الشرقي" لإيران، مؤكداً أن المفاجآت الحقيقية لا تكمن في العروض العسكرية، بل في ثنايا "الحشوات الصلبة" والزوارق الانتحارية والبيانات الصينية المسرّبة.
تُسلط أرقام التجارة الضوء على واقع مغاير للشعارات السياسية، فرغم توقيع إيران والصين اتفاقية تعاون استراتيجي بقيمة 400 مليار دولار، تكشف لغة الأرقام حذراً صينياً مفرطاً.
يوضح ملاعب أن حجم التبادل التجاري الفعلي مع إيران لا يتجاوز 9 مليارات دولار سنوياً، وهو رقم يتضاءل أمام استثمارات بكين في السعودية التي تتجاوز 108 مليارات دولار.
هذه الفجوة المالية تفرض على الصين دور "المزوّد الحذر"، إذ تكتفي بتزويد طهران بتقنيات "جزئية" في مجالات الرادار والدفاع الجوّي، مع تجنّب أيّ انخراط عسكري مباشر قد يهدّد مصالحها الضخمة مع دول الخليج العربي. ومع ذلك، يبرز دور صيني خفيّ يتمثل في توفير أنظمة ملاحية بديلة مثل (Beidou)، بل تشير التقارير إلى احتمال تزويد طهران ببيانات استطلاعية دقيقة لرفع دقة استهداف المواقع الحساسة.
المقايضة الروسية: "شاهد" مقابل الوقود الصلب
إن كانت الصين هي "المزوّد الحذر"، فإن روسيا هي "الشريك النفعي". يكشف التحقيق عن صفقة مقايضة غير متكافئة فرضتها ظروف حرب أوكرانيا، حيث حصلت موسكو على أسراب من مسيّرات "شاهد 136" الإيرانية، مقابل تزويد طهران بتقنية الحشوة الصلبة للصواريخ البالستية.
هذا التحوّل التقني، يقول ملاعب، هو الذي يمنح الصواريخ الإيرانية ميزتها الأهم: "السرعة في الاستجابة". فالوقود الصلب يسمح بإطلاق الصاروخ فوراً دون الحاجة لعمليات تزويد طويلة بالوقود السائل، ما يقلص "النافذة الزمنية" المتاحة للأقمار الصناعية الغربية لرصد عملية الإطلاق.
عقيدة "تحت الأرض": مجهول الـ60%
رغم الضربات المكثفة، لا تزال طهران تراهن على العقيدة العسكرية الشرقية (الكورية الشمالية) التي تعتمد على "مدن الصواريخ" المحصّنة في أعماق الجبال. وبينما يتباهى التحالف بتدمير المنصّات المكشوفة فوق الأرض، تظلّ الحقيقة القابعة تحت الصخور لغزاً استخباراتياً.
تشير التقديرات، التي استشهد بها ملاعب، إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بنحو 60% من مسيّراتها و40% من منصّات إطلاقها. وهذه الأرقام، مضافةً إليها "الزوارق الانتحارية" غير المأهولة التي تُعرف بـ"أسراب النحل"، تُبقي على احتمال تحويل مضيق هرمز إلى ساحة معركة غير متكافئة، حيث لا تُقاس القوة بحجم السفينة، بل بقدرة السلاح الرخيص على تدمير الهدف الثمين.
الخلاصة، وفق ملاعب أيضاً، أن ترسانة إيران اليوم هي مزيج من الابتكار المحلي والتقنيات الشرقية الممنوحة بـ"القطارة". وبينما يراقب العالم فوهات الصواريخ، تظلّ القوة الحقيقية كامنة في قدرة طهران على "الاحتيال التقني" والاستفادة من فجوات المصالح الكبرى بين القوى الدولية.
نبض