ذو القادر خليفة لاريجاني هو الرجل الأقوى!
في 24 آذار الماضي أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تعيين الجنرال محمد باقر ذو القادر أميناً لـ"المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني" خلفاً لـ "الشهيد" علي لاريجاني الذي قُتل في غارة إسرائيلية.
إن مجرّد تعيين ذو القادر في هذه اللحظة من الأزمة يُظهر كيف تتكيّف الجمهورية الإسلامية تحت الضغط. فبدلاً من اختيار ديبلوماسي أو تكنوقراطي أو شخصية سياسية معروفة للجمهور، اختار النظام شخصاً قريباً من "الحرس الثوري الإيراني" امتدت مسيرته المهنية بين الحرب غير المتكافئة والأمن الداخلي والتنسيق المؤسسي وإدارة الدولة القسرية.
تشير هذه الخطوة إلى أن النظام الإسلامي يعزّز هيكله الأساسي لصنع القرار حول شخصية ترتبط بالحفاظ على النظام من خلال الإنضباط والسيطرة والتنسيق بالقوة العلمية أكثر من ارتباطها بالمرونة. قبل ثورة 1979 انضم ذو القادر إلى منظمة إرهابية إسلامية سرية تدعى "منصورون" شاركت عام 1978 في قتل المدير التنفيذي الأميركي لشركة نفط "بول اي. غريم" وزميله الإيراني مالك محمود بروجردي في جنوب إيران.
وفي وقت لاحق اعترف ذو القادر علناً بدوره في محاولات الاغتيال التي قامت بها "منصورون". إلى ذلك، تصرّف ذو القادر أكثر بالدور الذي أدته الحرب العراقية - الإيرانية في تشكيل تجربته قائداً في "الحرس الثوري الإيراني".
تكمن أهمية دوره في ما يمكن وصفه ببناء بنية أمنية عابرة للحدود وللنظام. وقد وصف ذو القادر الجمعية التي أسّسها بعد ذلك بأنها تعمل "على مستوى تنظيمي مماثل للحكومة ولا تهدف فقط إلى محاربة القوات العراقية بل إلى توسيع نطاق الثورة الإسلامية داخل العراق". وقد وضعه ذلك ضمن الكوادر التي تعلّمت مبكراً النظر إلى الحرب ليس كوسيلة دفاع فقط بل كأداة لإعادة تشكيل البيئة السياسية خارج حدود إيران بهدف "تصدير الثورة" وتوسيع نفوذ النظام.
بعد الحرب مع العراق خدم 8 سنوات 1989 - 1997 رئيساً لهيئة الأركان المشتركة لـ"الحرس الثوري" تحت قيادة محسن رضائي و8 سنوات أخرى نائباً للقائد العام لـ"الحرس"، ولكن هذه المرة تحت قيادة يحيى رحيم صفوي، وأكسبه ذلك اطّلاعاً واسعاً على الكواليس الداخلية للمؤسسة الأمنية. خلال تلك الفترة تطور "الحرس" من قوة قتالية ثورية إلى مؤسسة حكومية أوسع نطاقاً ذات أدوار سياسية واستخبارية واقتصادية وإقليمية متنامية.
صار ذو القادر جزءاً من طبقة القيادة العليا التي أشرفت على التحوّل المؤسسي لـ"الحرس" ونضجه ليصبح أداة مركزية في ممارسته السلطة داخل النظام.
في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد انتقل الى منصب نائب وزير الداخلية للشؤون الأمنية، فواجه مع أقرانه تمرّداً سنياً في سيستان وبلوشستان واضطرابات كردية وأنشطة متجددة في الشمال الغربي. انتقل لاحقاً إلى القضاء الإيراني، أولاً في منصب منع الجريمة والأمن الاجتماعي عام 2009.
ثم أوكلت إليه مهمة دمج أدوات القمع ضمن مؤسسات الدولة على نحو أكثر منهجية. عام 2021 صار أمينا عاما لـ"مجمع تشخيص مصلحة النظام"، وهو كيان مصمّم لحل النزاعات البيروقراطية، لكنه كان ذا بعد إيديولوجي واضح، وهذا النوع من المناصب النخبوية يُسند إلى المقرّبين الموثوق بهم الذين يساهمون في مواءمة المؤسسات المهمة، ومجلس الأمن القومي الأعلى الذي عيّن ذو القادر رئيساً له هو إحدى الهيئات التنسيقية الرئيسية في مجالات الدفاع والاستخبارات والسياسة الخارجية، يرأسه الرئيس رسمياً ويقع عند نقطة التقاء بين القوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات والسلطة التنفيذية المدنية ومكتب المرشد الأعلى أو ما تبقى منه.
يشير حلول ذو القادر محل لاريجاني إلى أن طهران تريد أميناً عاماً لا تتمثل ميزته النسبية في مهارة التفاوض بل في القدرة على دمج أدوات القوة القسرية في ظروف الأزمات. وذلك مهمّ في بيئة الحرب الحالية وخسائر القيادة والضغط المتزايد على نظام القيادة والسيطرة. فشخصية بخلفية ذو القادر مناسبة للحفاظ على تماسك الجيش وأجهزة الاستخبارات والقضاء والجهازين السياسي والأمني عندما تكون القيادة غير واثقة وتتعرّض لضغوط. وتشي تجارب ذو القادر المذكورة أعلاه بأنه مدير مؤهّل لإدارة الحكم القمعي المنهجي.
في الخلاصة، يمكن قراءة ترقيته ضمن سياق نظام مستعد لإستكشاف تنازلات محدودة تحت ضغط شديد في زمن الحرب عبر قنوات مثل باكستان. وتعيينه إشارة إلى أن أيّ تنازل ذي مغزى سيتم تمريره عبر النواة الأمنية للنظام وليس عبر الجهاز الديبلوماسي التقليدي بقيادة عباس عراقجي. يعني ذلك أن إدارة ترامب قد تضطر إلى التفاوض فعلياً مع الدائرة المقرّبة من "الحرس الثوري الإيراني".
علماً أنها شاركت في قمع الشعب الإيراني وقتله على نطاق واسع. وسيتضح الأمر إذا لم تؤدّ الحرب إلى انهيار النظام. يضع ذلك ذو القادر على الأرجح في موقع المدير الرئيسي لموقف إيران بعد الحرب. وسيحدّد نطاق القمع الداخلي ومدى التصعيد الخارجي الممكن، ومدى إحكام السيطرة بين الأجهزة العسكرية والاستخبارية والقضائية والتنفيذية في ظل الضغوط. قد يكون لهذا الدور تأثير كبير في اتخاذ القرارات وتنفيذها. واختيار ذو القادر صاحب التاريخ الطويل في ممارسة السلطة العسكرية بدلاً من شخصية تصالحية أو تكنوقراطية أو وسيط سياسي - وطني سيضمن استمرار القمع والسيطرة للحفاظ على النظام. وبالنسبة إلى المسؤولين الأميركيين سيكون صانع القرار الرئيسي في مفاوضات وقف النار أو تخفيف التوتر البحري أو إطار عمل فردي وصاروخي أوسع. ويرجّح أن يكون صاحب القرار الرئيسي وأحياناً ذا أهمية أكبر حتى من المرشد الأعلى.
أما من وجهة نظر غربية، فيجب عدم اعتبار تعيينه مصدر طمأنينة، لأن سجله، بخلاف لاريجاني ومن سبقه، يشير إلى تورط عميق في آليات النظام الداخلي وخبرة محدودة في التعامل مع الأجانب. طبعاً ليس هو المركز الوحيد للقوة في القيادة الإيرانية المتدهورة. فقاليباف يتمتع بنفوذ كبير مثل "قائد الحرس" والقائد السابق محسن رضائي، ومركز الثقل الظاهر هو في يد "الحرس". يجعل ذلك دور رجال الدين أقل بروزاً.
نبض