حصار إيران البحري… هل تنجح المسارات البديلة في كسر الطوق؟
ليلى تابت
مع دخول الحصار البحري الأميركي حيّز التنفيذ يوم الاثنين، الممتدّ من بحر العرب متجاوزاً نطاق مضيق هرمز ليشمل الموانئ الإيرانية المطلة على الخليج العربي وبحر عُمان، تجد إيران نفسها أمام واقع اقتصادي جديد، يتجاوز البحث عن منافذ تجارية بديلة إلى إعادة تشكيل منظومة تجارتها الخارجية بالكامل خارج الجغرافيا البحرية التقليدية.
وقد أدّى هذا التطوّر إلى شلل شبه كامل في الجنوب الإيراني، الذي كان يشكّل الشريان الحيوي للتجارة والطاقة، خصوصاً مع دخول موانئ استراتيجية مثل جاسك وتشابهار ضمن نطاق القيود. هذا ما دفع طهران إلى تحويل ثقلها نحو الشمال والممرات البرّية.
وفي هذا السياق، يشير الخبير الاقتصادي د. محمود مفيد عبد الكريم، في حديث مع "النهار"، إلى أنّ "الحصار ليس قراراً واحداً بل هو مقياس يتدرّج في شدّته، وما تملكه إيران من مسارات بديلة لا يُقرأ بمعزل عن طبيعة هذا الحصار وحدوده الجغرافية".
المسار القزويني: رهان على بديل محدود
لطالما شكّل "أسطول الظلّ" الإيراني السلاح الأذكى في مواجهة العقوبات المالية الأميركية، إذ نجح في رفع الصادرات النفطية إلى 1.5 مليون برميل عام 2023. غير أنّ عبد الكريم يرى أنّ هذا المسار "قد يصمد أمام الرقابة الإلكترونية، لكنه لا يصمد أمام البوارج الحربية التي تعترض السفن فعلياً، لأن ناقلة النفط لا تستطيع إخفاء حجمها عن رادار سفينة حربية تقف على بعد أميال منها".
في هذا السياق، يبرز بحر قزوين كأحد أهم البدائل المتاحة، إذ يشكّل منفذاً خارج نطاق الحصار المباشر. ويربط ممرّ "شمال-جنوب" بين روسيا وبحر قزوين وإيران، وهو مشروع تعمل طهران وموسكو على تطويره لتخفيف الضغط عن المسارات البحرية التقليدية.
وبحسب وكالة "إرنا"، بلغ حجم التبادل التجاري بين إيران وروسيا في عام 2024 نحو 3.74 ملايين طن، ما يعكس أهمية هذا الاتجاه. ويُعد ميناء أمير آباد من أبرز نقاط الاستقبال، إذ استقبل أكثر من 3.25 ملايين طن من السلع الأساسية، خصوصاً الحبوب والمواد الأولية. كذلك سجّل ميناء بندر كاسبين دخول أكثر من 67 ألف طن من الزيوت الغذائية خلال شهرين فقط.
لكن رغم هذه المؤشرات، يبقى بحر قزوين خياراً محدود الفاعلية، لكونه بحراً مغلقاً لا يصل إلى المياه الدولية، ما يقيّد قدرته على دعم تجارة واسعة النطاق. واعتماد هذا المسار يتأثر بعوامل سياسية واقتصادية معقدة، خصوصاً أن دول الجوار مثل أذربيجان ليست مجرد ممرات عبور، بل أسواق تنافسية في قطاع الطاقة، ما يقلّص الطلب على الصادرات الإيرانية.

الممرات البرية: بين الانفتاح والقيود
تعوّل إيران على الممرات البرية كمنفذ استراتيجي في ظل الحصار البحري، نظراً إلى ارتباطها جغرافياً بست دول مهمة. وبحسب عبد الكريم، فإن "حجم التبادل عبر هذه الحدود يتجاوز 20 مليار دولار سنوياً، منها ما بين 10 و12 ملياراً مع العراق، و6 مليارات مع تركيا"، معتبراً أن هذا المسار "مكمّل للتجارة البحرية وليس بديلاً منها".
ويرى عبد الكريم أن "الرهان الأكبر برّياً هو ممر INSTC الذي يمتد 7,200 كيلومتر من الهند جنوباً عبر إيران إلى روسيا وأوروبا شمالاً". وأهمّ ما فيه أن جزءاً أساسياً منه يمرّ عبر بحر قزوين الداخلي المغلق بين خمس دول، ما يجعله خارج نطاق أيّ حصار بحري. لكن الممر يعاني من ثغرة بطول 162 كيلومتراً بين رشت وأستارا لم تُنجز بعد، رغم اتفاقات استثمارية بقيمة 1.6 مليار دولار، ما يفرض الاعتماد على طرق برّية أبطأ ويقلّل من كفاءته التنافسية.
في الشرق، تبرز الممرات عبر باكستان وصولاً إلى الصين، حيث يشكّل خط ميرجاوه-زاهدان محوراً رئيسياً للنقل البري والسككي. ويرتبط هذا المسار بمبادرة "الحزام والطريق"، ما يمنح إيران فرصة للاندماج في شبكة آسيوية أوسع، سواء عبر ميناء جوادر أو عبر البنية البرية المباشرة. ويتيح هذا الممر تأمين جزء من الاحتياجات الغذائية، خصوصاً الحبوب، ما يخفف الضغط عن الواردات البحرية.
ويشير عبد الكريم إلى أن "الصين التي رفعت تبادلها التجاري مع إيران من 16 إلى أكثر من 31 مليار دولار بين 2021 و2023، ستعيد توجيه تجارتها براً عبر روسيا وآسيا الوسطى إذا أُغلق البحر، لكن المواجهة العسكرية تبقى خطاً أحمر لبكين على المدى القريب".
أما في الغرب، فتُعد الحدود مع العراق من أهم المنافذ البرية رغم التضاريس الوعرة لجبال زاغروس. ويُعد معبر شلامجة من أكثر المعابر نشاطاً، إذ تمر عبره آلاف الشاحنات يومياً. وتراهن طهران على العراق للوصول إلى تركيا وآسيا الوسطى عبر مشاريع لوجستية مثل ميناء الفاو الكبير، رغم تعقيدات النفوذ الخارجي وضعف البنية التحتية.
في المقابل، تبقى الخيارات الأخرى محدودة؛ فالتوتر مع أذربيجان يعرقل مسارات الإمداد، بينما تعاني تركمانستان وأفغانستان من ضعف البنية التحتية وصعوبة الجغرافيا وانعدام المنافذ البحرية.
الإنتاج المحلي: صمود جزئي لا اكتفاء كامل
لا يمكن فهم بدائل إيران دون النظر إلى الاقتصاد من الداخل، إذ تشير المعطيات الرسمية إلى تحسّن في إنتاج بعض السلع الأساسية، خصوصاً القمح. لكن إيران لا تزال تصنّف نحو 25 سلعة استراتيجية ضمن قائمة احتياجاتها، تشمل الحبوب والزيوت والسكّر والشاي.
وقد اضطرّت البلاد في سنوات سابقة إلى استيراد أكثر من 7 ملايين طن من القمح، ما يؤكد استمرار الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك. وبالتالي، يسهم الإنتاج المحلي في تعزيز الصمود وتخفيف آثار الحصار، لكنه لا يحقق الاكتفاء الذاتي الكامل، بل يبقي البلاد في حالة اعتماد جزئي على الاستيراد.

فعالية الحصار: أزمة مؤقتة أم انهيار مستدام؟
منذ انتهاء حرب الـ12 يوماً، خاضت إيران عاماً كاملاً تحت ما سمّته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب "الضغط الأقصى"، إذ أدرجت واشنطن أكثر من 180 ناقلة على لوائح العقوبات، مستهدفة شبكات التمويل والوسطاء. وبحسب عبد الكريم، فإن "النتيجة كانت أقل مما توقعه المخططون الأميركيون، إذ انخفضت الصادرات النفطية 7% فقط خلال 2025، وبلغت الإيرادات نحو 60 مليار دولار".
ويضيف أن "أسطول الظلّ والشراكة مع الصين وفّرا مسارات لا تزال تعمل"، مشيراً إلى أن إيران في الأسابيع الأولى من الحرب صدّرت 55.22 مليون برميل بأسعار تجاوزت أحيانًا 100 دولار، ما حقق لها أرباحاً كبيرة في فترة قصيرة.
لكنّه يؤكد في المقابل أن الحصار الحالي يمثل "تصعيداً نوعياً"، لأن "العقوبات المالية تترك هامشاً للتحايل، بينما البوارج الحربية تمنع المرور فعلياً". ومع وقف الإعفاءات النفطية، تصبح الحركة الإيرانية في السوق الدولية أكثر تقييداً.
ويقدّر عبد الكريم كلفة وقف الصادرات النفطية بنحو 435 مليون دولار يومياً، أي ما يعادل 13 مليار دولار شهرياً، مشيراً إلى أن النفط يموّل ما بين 13 و25% من الناتج المحلي وأكثر من ربع الميزانية العامة، ما يعني أن التأثير يمتد إلى مجمل الاقتصاد.
ويرى أن فعالية الحصار ترتبط بمتغيرين أساسيين: موقف الصين من الانخراط في المواجهة، وقدرتها على الانتظار، إضافة إلى مدة استمرار الحصار، إذ إن ارتفاع أسعار النفط عالمياً، الذي تجاوز 102 دولار للبرميل، قد يؤدي إلى ضغوط داخلية على الإدارة الأميركية قبيل انتخابات 2026.
تبدو إيران أمام شبكة معقدة من البدائل التي تمنحها هامشاً من المناورة، لكنها لا ترقى إلى مستوى التعويض الكامل عن فقدان منفذها البحري الجنوبي. وكما يخلص عبد الكريم، فإن هذه المسارات "حققت توازناً هشاً يكفي للبقاء لا للازدهار".
وبذلك، قد تنجح إيران في فتح منافذ شمالية وبرية محدودة، لكنها لا تزال تفتقر إلى بديل يوازي في أهميته وحيويته دور موانئها الجنوبية في منظومة تجارتها الخارجية، فيما يبقى مستقبل هذه المعادلة مرهوناً بمسار التفاوض أكثر من الجغرافيا أو الاقتصاد.
نبض