لماذا تعجز المسيّرات عن حجب أهمية الصواريخ؟
تتصدّر المسيّرات العناوين. لكنّ مكانة الصواريخ محفوظة. فكروا في هذا الأمر: تُصنّف المسيّرات في أوكرانيا كتهديد منخفض الحدّة. لا يتعلق الأمر فقط بقدرة الأوكرانيين الكبيرة على الحدّ من تأثيرها. ثمة جانب يتعلق بمحدودية فاعلية المسيّرات، بخاصة الرخيصة منها.
من أوكرانيا إلى لبنان
فمسؤوليتها عما بين 70 إلى 80 في المئة من القتلى في ميادين أوكرانيا لا تعوّض عن ضعفها في استهداف البنى المحصّنة مثلاً. وفي أحيان عدة، تكفي شباك حول بنى تحتية لتحييد بعض هجمات مسيّرات منظور الشخص الأول (FPV). في الوقت نفسه، تبدو تلك المسيّرات عاجزة عن تدمير بعض المدرّعات.
بدأ الجنوب اللبناني يشهد استهداف "حزب الله" لدبابات "ميركافا" الإسرائيلية بهذا النوع من المسيّرات، لكن نتائجها غير واضحة. قد يعود ذلك إلى افتقار الحزب للكميات الكافية من المسيّرات، بعكس الحال في أوكرانيا، حيث تقوم مسيّرات أولية باستهداف الدبابات، فيما تقوم مسيّرات متسكّعة بتصوير الانفجار من الجو. لكن ثمة احتمال كبير في نجاة الجنود داخل "ميركافا" لأن تلك الدبابات أكثر صلابة من المدرعات الروسية، وخصوصاً تي-72 الواسعة الانتشار، بما أن مخزون ذخائرها هو من نقاط العطب الأساسية فيها.

وبالحديث عن إسرائيل، لا تزال الغالبية الساحقة من قتلاها في الحربين الماضية والحالية ناجمة عن الصواريخ، لا عن المسيّرات الإيرانية. ففي حرب الاثني عشر يوماً على الأقل، استطاعت إسرائيل التصدي لمعظم المسيّرات حتى قبل دخول أجوائها.
الصواريخ والمسيّرات... وجهاً لوجه
تشهد الصناعة الدفاعية للمسيّرات تطوراً سريعاً بحيث ينعكس التوازن في الكلفة، لمصلحة المسيّرات الدفاعية: تبلغ كلفة مسيّرة "ستينغ" الأوكرانية نحو 2100 دولار، مقابل ما لا يقل عن 30 ألف دولار لمسيّرة "شاهد-136" الإيرانية. لا ينطبق ذلك على صناعة الصواريخ الدفاعية العالية الكلفة والبطيئة الإنتاج.
بعد حرب حزيران/يونيو الماضي، تمكنت إيران من تصنيع نحو عشرات الصواريخ شهرياً بحسب الجيش الإسرائيلي. وللتذكير، كان هذا بعد تعرض الصناعة الإيرانية لأضرار كبيرة. سابقاً، كانت "لوكهيد مارتن" تصنّع نحو 96 صاروخاً دفاعياً لمنظومة "ثاد" في العام الواحد. تعهّدت الشركة مؤخراً بزيادة الإنتاج بنحو 4 أمثال.
وأظهرت الحرب على إيران صعوبة تدمير كامل مخزونها من المنصات المتحركة، ناهيكم عن كامل صواريخها. قيّدت الولايات المتحدة وإسرائيل قدرة إيران على إطلاق الصواريخ بشكل كبير، لكن حجم الإطلاق ظلّ ثابتاً على مدى شهر تقريباً.
كذلك، تتمتع شظايا الصواريخ نفسها بعد الاعتراض بإمكانية التسبب بأضرار مكافئة أحياناً لحجم الأضرار الناجمة عن اصطدام المسيّرات بأهدافها.
"نجوميّة"
تؤكد الصواريخ الجوالة نجوميتها حالياً. كان هناك سبب وجيه لإصرار كييف على حيازة صواريخ "توماهوك" الأميركية، مقابل تردد ترامب في تسليمها. لو حصلت كييف على تلك الصواريخ لكان الاحتمال الراجح هو تضرر قدرة روسيا على صناعة المسيّرات والصواريخ معاً في مصانع بعيدة من الحدود، مع انعكاس كبير لذلك على قدرات روسيا الحربية.
وأدت تلك الصواريخ دوراً في تدمير الدفاعات والمصانع الإيرانية في بداية الحرب تحديداً. وخلال الحرب السريعة بين الهند وباكستان، قصفت نيودلهي قواعد عسكرية على الجانب الآخر من الحدود بالصواريخ الباليستية.
إذاً، بالرغم من كل العناوين البراقة عن المسيّرات، لا تزال الصواريخ حاضرة. صحيح أنها لا تحتل صدارة الأنباء، بفعل نجاح الدفاعات الإسرائيلية والأميركية والخليجية، لكنها ستعود سريعاً إلى تلك الصدارة في حال انفجر برميل البارود في شرق آسيا.
نبض