عزلة إيران قد تكون أخطر عليها من الحرب
في الأمثلة التاريخية الحديثة، على الأقل في الحقبة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، يصعب العثور على دولة شنت هجمات على مجموعة كبيرة من الدول المجاورة دفعة واحدة، وبلا أي سبب جدي، كما فعلت إيران. تصبح مهمة البحث شاقة أكثر عند الأخذ بالاعتبار أن الغالبية الساحقة من الدول التي تعرضت للهجوم لم تكن تتمتع بعلاقات طبيعية مع الدولة المعتدية وحسب، بل بذلت جهداً كبيراً لتفادي ضربة أميركية عليها. على الأرجح، إيران هي حالة فريدة في هذا المجال.
ربما تخطر على البال الهجمات الروسية بالمسيّرات ضد دولة أوروبية عدة السنة الماضية. مع ذلك، تمثّل هذه الدول جزءاً من تحالف عسكري ومالي داعم لأوكرانيا، كما أن هجمات روسيا كانت متقطعة ومتباعدة إلى حد كبير. لقد انتمت بمعظمها إلى عمليات منطقة "الحرب الرمادية" التي تختبر دفاعات العدو ونواياه، إنما بطريقة قابلة للإنكار.
من الخليج العربي مروراً بالأردن وقبرص وصولاً إلى تركيا وأذربيجان، لم تعفِ إيران دولة من صواريخها ومسيّراتها. صحيح مثلاً أنها أعفت لبنان من هجماتها، إنما فقط لتقحمه في حربها المتهورة.
تكتيك لم تفهمه
يقول مراقبون للشأن العسكري إن الدول الضعيفة لا تستطيع مواجهة الدول القوية بطريقة مباشرة، فتعمد إلى توسيع ميدان الحرب، أي إلى "التصعيد الأفقي"، لإنهاك الطرف الأقوى عبر تعريض أكبر عدد ممكن من نقاط الضعف للضغط. ليس هذا المفهوم حلاً سحرياً كما ستكتشف إيران. أولاً، لقد فشلت في الضغط على الدول الخليجية، وكشفت جاهزيتها في التصدي لغالبية هجماتها المركّبة. وفي حرب فيتنام، حيث شن الفيت كونغ نحو 100 هجوم على مدن مختلفة من فيتنام الجنوبية مطلع سنة 1968، ظلت العمليات محصورة فيها. وبالعكس، حين اعتمدت الولايات المتحدة "التصعيد الأفقي" عبر توسيع مسارح القتال في لاوس وكمبوديا، فشلت في مسعاها.

ولهذا التكتيك تكلفة غير مباشرة. في أواخر حرب حزيران/يونيو 2025، تمكنت إيران من اختراق بعض الدفاعات الإسرائيلية عبر تركيز صواريخها بكميات كبيرة عليها. اليوم، ومع التوزيع الواسع للأهداف، تبدو هجماتها الصاروخية أقل فاعلية بكثير ضد الطرف المهاجم. في الواقع، لا شيء يفسر الهجوم الإيراني على دول الخليج أكثر من ضعف إيران أمام إسرائيل والولايات المتحدة. وكانت إيران نفسها ضحية لتكتيكاتها كما حصل مع استهداف أميركا لفرقاطة إيرانية بالقرب من سواحل الهند. باختصار، منحت إيران الأولوية لتكتيك غير مجدٍ وخطر، على حساب استراتيجية تتمتع بقابلية أكبر للنجاح.
المقولة التي سقطت
إذا صمد النظام بعد الحرب فسيكون بحاجة إلى شريان مالي لإعادة هدم ما تدمر. أمكن أن تكون دول الخليج الرئة التي ينال فيها النظام بعضاً من المتنفس وسط استمرار متوقع للعقوبات الأميركية، خصوصاً مع تمتع هذه الدول بعلاقات إيجابية مع البيت الأبيض. هذا الاحتمال بعيد المنال الآن.
فهِم العالم، وبالأحرى أفهمت إيران العالم، لماذا تُعدّ تهديداً لدول كثيرة. كان الضرب العشوائي للمنطقة، بما فيها الهجمات التي استهدفت مطارات مدنية، تنبيهاً إلى سلوكها المتمرّد. ليس أدل على ذلك من تصويت مجلس الأمن الدولي الأخير على مشروع قرار خليجي-أردني يدين الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربي والأردن. حتى الصين وروسيا، أي عملياً كل ما تبقى من دعمٍ في هذا العالم لإيران، امتنعتا عن التصويت.

يقال إن إيران صبورة على طريق تحقيق المكاسب البعيدة المدى. أثبتت الحرب الحالية مبالغات هذه المقولة، إن لم يكن خطَلَها.
نبض