احتجاجات فرنسا تهزّ قطاع التعليم... والأزمة تطاول نفوذ باريس في الخارج

أوروبا 08-10-2026 | 12:20

احتجاجات فرنسا تهزّ قطاع التعليم... والأزمة تطاول نفوذ باريس في الخارج

احتجاجات الطلاب تحرج ماكرون وتكشف أزمة عميقة في التعليم الفرنسي، فيما يطلق ديبلوماسي سابق تحذيراً من خطر يهدد مدارس فرنسا في الخارج، خصوصاً في لبنان.
احتجاجات فرنسا تهزّ قطاع التعليم... والأزمة تطاول نفوذ باريس في الخارج
متظاهرة تقرأ كتاباً واضعةً قناعاً ونظارات واقية خلال احتجاجات طلابية في باريس، 8 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

تتواصل التعبئة الاحتجاجية لطلاب المدارس الثانوية في فرنسا، اليوم الخميس، وسط تصاعد القلق بشأن مستقبل التعليم وفرص الشباب، فيما يسعى الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو إلى تهدئة الأوضاع، بعد أعمال العنف التي رافقت التظاهرات والتدخلات الأمنية التي أثارت انتقادات واسعة. وفي موازاة الأزمة الداخلية، تواجه شبكة المدارس الفرنسية في الخارج ضغوطاً مالية متزايدة تهدد بعض مؤسساتها، وخصوصاً في لبنان، وتثير مخاوف بشأن مستقبل النفوذ الثقافي والتربوي لباريس.

وأكد لوكورنو أن "ما يجري في المدارس الثانوية يمسّنا جميعاً، ومن واجبنا أن نأخذ الشباب على محمل الجد"، معرباً عن تفهّمه لغضبهم الذي "لم يأتِ من فراغ"، وللمخاوف التي يعبّرون عنها.

وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز، الأربعاء، تعليق استخدام القنابل الصوتية من جانب قوات الأمن. وذكرت صحيفة "لوفيغارو" ووسائل إعلام فرنسية أخرى أن ماكرون أبدى استياءً شديداً من أداء الشرطة وطريقة تعاملها مع الاحتجاجات.

وتضع التعبئة الجديدة الحكومة أمام ضغوط متزايدة لمعالجة أزمة التعليم، في ظل اتساع الحركة الطلابية وانضمام الأهالي ونقابات المدرّسين إليها.

 

أزمة المدارس والقبول الجامعي

 

وفي حديث خاص إلى "النهار"، يربط الديبلوماسي الفرنسي السابق والرئيس السابق لـ"البعثة العلمانية الفرنسية" إيف أوبان دو لا ميسوزيير، الاحتجاجات بتدهور أوضاع المدارس الرسمية، وخصوصاً في ضواحي المدن الكبرى، حيث تتراكم مشكلات التمويل ونقص المدرّسين وضعف التأهيل والتدريب.

فإلغاء آلاف الوظائف في قطاع التعليم، بحسب دو لا ميسوزيير، أدى إلى نقص حاد في الكوادر التعليمية، فيما يزيد ضعف تدريب الأساتذة صعوبة الأوضاع داخل المدارس. وتفاقم هذه المشكلات شعور الطلاب بأن النظام التعليمي "يعجز عن توفير فرص متكافئة لمستقبلهم".

ويحتل نظام التوجيه والقبول الجامعي "باركورسيب" (Parcoursup) موقعاً أساسياً في أسباب الغضب. فتعقيد إجراءاته وطابعه الانتقائي يثيران قلق طلاب المرحلة الثانوية بشأن فرصهم في متابعة التعليم العالي. ويتحدث الديبلوماسي السابق عن مطالب واسعة بتعديل هذا النظام، وسط توقعات بأن تعلن الحكومة إجراءات لتخفيف الصعوبات التي يواجهها الطلاب.

أما أعمال العنف التي رافقت التظاهرات، فيميّز دو لا ميسوزيير فيها بين الحركة الطلابية ومجموعات متطرفة شاركت في التخريب، بينها "بلاك بلوك". وفي المقابل، ينتقد المبالغة في ردّ قوات الأمن، مشيراً إلى توقيف نحو ستة آلاف شخص، بينهم عدد كبير من القاصرين، واستخدام القنابل الصوتية وقاذفات الكرات الدفاعية (LBD)، ما تسبب بإصابات خطيرة.

ويثير التركيز على أعداد الموقوفين انتقاداته أيضاً، خصوصاً أن عدداً محدوداً منهم أُحيل في نهاية المطاف إلى القضاء بتهم رسمية، الأمر الذي يطرح تساؤلات بشأن تناسب التدخلات الأمنية مع طبيعة الاحتجاجات.

وبدأت الحركة، وفق روايته، "بصورة عفوية في إحدى المدارس الثانوية في كريتاي، قبل أن تنتشر سريعاً عبر شبكات التواصل الاجتماعي". ومع اتساعها، أخذت تتجه نحو مزيد من التنظيم، مدعومة بأهالٍ يسعون إلى حماية أبنائهم من العنف خلال التظاهرات، ونقابات المدرّسين.

وفيما تحاول أحزاب سياسية، بينها "فرنسا الأبية" اليساري، الاستفادة من الحراك، يؤكد دو لا ميسوزيير أنها "لم تكن وراء انطلاقه"، مشدداً على أن الاحتجاجات "تعبّر عن أزمة اجتماعية وتعليمية عميقة تتطلب معالجة تتناول أسبابها، بعيداً من الاكتفاء بالإجراءات الأمنية والوعود الحكومية المحدودة".

 

متظاهرون يشارك بعضهم في العزف على البوق خلال اعتصام قرب ثانوية هيلين بوشيه في باريس، 8 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (أ ف ب)
متظاهرون يشارك بعضهم في العزف على البوق خلال اعتصام قرب ثانوية هيلين بوشيه في باريس، 8 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (أ ف ب)

 

مدارس لبنان تحت ضغط الأزمة

 

وتتسع دائرة القلق لتشمل شبكة المدارس الفرنسية في الخارج، التي تمثل إحدى أبرز أدوات النفوذ الثقافي والتربوي لباريس، وتواجه تحديات مالية متزايدة مع استمرار تخفيض الموازنات.

وبحسب دو لا ميسوزيير، "تطاول هذه الضغوط نحو 360 مؤسسة تعليمية فرنسية في الخارج"، حيث تؤدي التخفيضات الحادة في التمويل إلى ارتفاع الأقساط المدرسية، ما يدفع عائلات كثيرة إلى البحث عن بدائل في المدارس الأميركية أو السويسرية وغيرها من المؤسسات المنافسة.

ويبرز لبنان بين أكثر الملفات إثارة لقلق الديبلوماسي الفرنسي السابق، مع تهديد الصعوبات المالية استمرارية عدد من المدارس الفرنسية، في ظل الأزمات الاقتصادية التي تواجهها العائلات اللبنانية وارتفاع كلفة التعليم.

ويحذّر من احتمال "إغلاق بعض هذه المؤسسات إذا استمرت سياسة خفض الدعم"، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات تطاول الحضور الفرنسي ونفوذ باريس الثقافي في لبنان والمنطقة.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية بالنظر إلى دور الشبكة التعليمية الفرنسية في تعزيز الفرنكوفونية والعلاقات مع المجتمعات المحلية. فبحسب دو لا ميسوزيير، يشكّل الطلاب غير الفرنسيين نحو نصف مجموع التلامذة في هذه المؤسسات، ما يمنحها دوراً أساسياً في نشر اللغة والثقافة الفرنسيتين.

وتشمل الأزمة دولاً أخرى، بينها إسبانيا، فيما تواجه "البعثة العلمانية الفرنسية" تراجعاً في دورها، رغم اعتماد العديد من مؤسساتها على التمويل الذاتي. ويعتبر دو لا ميسوزيير أن إضعاف هذه الشبكة يشكّل خسارة استراتيجية لفرنسا، في وقت تتصاعد فيه المنافسة الدولية على النفوذ الثقافي والتعليمي.

وهكذا، تواجه فرنسا ضغوطاً متزامنة على سياستها التعليمية، مع استمرار الاحتجاجات في الداخل وتزايد المخاطر المالية على مدارسها في الخارج. وبين مطالب الطلاب الفرنسيين ومخاوف العائلات المرتبطة بشبكة التعليم الفرنسي، تبرز تحديات أوسع تتعلق بمستقبل التعليم ومكانته في السياسة الفرنسية، وبقدرة باريس على الحفاظ على حضورها الثقافي والتربوي دولياً.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 10/7/2026 10:45:00 PM
تعود مؤرخة الفن ثريا نجيم لقيادة اللوفر أبوظبي بعدما أسهمت في تأسيس رؤيته وتطوير مقتنياته، حاملةً خبرة دولية في الفن الإسلامي وإدارة المجموعات والمعارض.
المشرق-العربي 10/7/2026 10:20:00 AM
نشرت كتائب القسام مشاهد موثّقة وغير منشورة سابقاً ليحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، الذي قتل في 16 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2024 خلال اشتباكات مع قوة من الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة.
سيكون إعدام حسن أول عملية إعدام ينفذها الجيش الأميركي منذ العام 1961.
لبنان 10/7/2026 6:23:00 AM
ثمة من رأى أن لا مصلحة لرئيس الحكومة في أن تسجل عليه سابقة إقصاء المفتي عن موقعه.