هل أدت روسيا دوراً في إبرام اتفاق غرينلاند؟
يمكن ملاحظة أنه تم الإعلان عن اتفاق غرينلاند بالتزامن مع حديث أوروبي عن احتمال تصعيد روسي كبير ضد القارة. فهل من ترابط بين الحدثين؟
في منتدى دافوس الذي عُقد مطلع 2026، طوى البعض صفحة غرينلاند... بسرعة. حينها، وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن بلاده لن تستخدم القوة لحل الخلاف حول الجزيرة. تبيّن أن طيّ الصفحة جاء باكراً. في 4 آب/أغسطس، عاد ترامب وأكد أن أكبر جزيرة في العالم ستكون تحت سيطرة الولايات المتحدة قبل نهاية ولايته.
الغريب أن التعثر في الحرب على إيران لم يدفعه إلى التوقف عن التفكير بالجزيرة. أخيراً، أعلن ترامب الجمعة أنه أبرم اتفاقاً مع الدنمارك وغرينلاند يمنح واشنطن "السيطرة الدائمة" على أمن الجزيرة ويسمح لها بتوسيع حضورها العسكري هناك.
الاتفاق... بين الرضا والغموض و"الانتصارات"
تتقاطع التقارير والبيانات عند نقطة أن غرينلاند ستظل إقليماً ذاتيّ الحكم من الدنمارك، فيما ستمتنع عن استضافة قواعد عسكرية أو استثمارات "حساسة" من روسيا أو الصين أو دول أخرى من خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو)، من دون تصريح خطي أميركي. لكن هذه الفكرة لم تكن مطروحة لدى الدنماركيين أو الغرينلانديين، وهم أساساً جزء لا يتجزأ من الناتو. علاوة على ذلك، تتمتع الولايات المتحدة والدنمارك بمعاهدة دفاعية ثنائية تعود إلى سنة 1951 وتسمح لواشنطن بزيادة قواعدها العسكرية هناك. ربما بموجب الاتفاق الجديد، قد توسّع أميركا قواعدها بلا تشاور مع كوبنهاغن ونوك.
في المحصّلة، كانت الأطراف الثلاثة راضية. طبعاً، هذا في العلن. قال ترامب الجمعة إن الاتفاق "يعالج جميع مخاوفنا الأميركية الكثيرة". ووصفت رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسون الاتفاق بأنه "عظيم للناتو وأوروبا". كذلك، رحّب رئيس الوزراء الغرينلاندي ينس-فريدريك نيلسن بالتطور. وشدّد الجانبان أيضاً على أن الاتفاق يضمن سيادة الدنمارك على غرينلاند كما حق الجزيرة بتقرير المصير.
لا يمنع ذلك وجود نقاط مبهمة تثير القلق. فقد أعلن ترامب أن الاتفاق "يمنح الولايات المتحدة السيطرة الدائمة على الأمن وجميع الاحتياجات الأخرى، في غرينلاند". ماهية هذه الاحتياجات علامة استفهام كبيرة. وبحسب "نيويورك تايمز"، قلق البعض في غرينلاند بسبب تلميحات إلى وجود "احتكار" أميركي. في الشكل أيضاً، وفي توقيت لافت، بإمكان ترامب ادعاء انتصار كبير قبل الانتخابات النصفية.
أوروبا وشبح روسيا
يتزامن الاتفاق مع تصريحات عن احتمال تصعيد عسكري روسي في أوروبا. أبلغ رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك نواب البرلمان أن موسكو قد تطلق مسيّرات أو صواريخ ضد أراضي الناتو في الأشهر المقبلة لإظهار أن مادة الدفاع الجماعي "نظرية أكثر مما هي عملية". وافقه في ذلك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي عمد إلى استدعاء رؤساء الأحزاب والمرشحين الرئاسيين في فرنسا لمناقشة هذا الموضوع. ودعت لندن البريطانيين للاستعداد لاحتمال الحرب. فهل تسبّبت هذه التطورات بالاتفاق الجديد، فسارعت الدنمارك وأوروبا خلفها إلى الاتفاق مع ترامب، في مقابل "شراء" دعمه ضد التصعيد الروسي؟

بحسب ماثيو كرونيغ من "أتلانتيك كاونسل"، عمل جميع الديبلوماسيين على رأب الصدع طوال أشهر وكانوا قريبين جداً من البنود النهائية، لفترة من الزمن. السؤال الذي أقلق الأوروبيين برأيه هو ما إذا كانت الشروط كافية لترامب. حتى الآن هي كذلك. إذاً، في أفضل الأحوال، سرّع الطيف الروسي إبرام الاتفاق لكنه لم يكن العامل الوحيد خلفه. كان المسار الديبلوماسي نشطاً قبل تصاعد المخاوف الأوروبية مؤخراً من "الأخطار" الروسية. لكن توقيت الإعلان في هذا الظرف مواتٍ بالتأكيد للأوروبيين وأمنهم.
ترامب وجرح أوروبا
غير أن الجرح الذي تركه الخلاف حول غرينلاند على العلاقات العابرة للأطلسي قد لا يندمل سريعاً. صحيح أن ما أفرح الأوروبيين ربما في التطور الأخير تزامنه أيضاً مع توقيع ترامب على حزمة المشرّع السابق ليندسي غراهام للعقوبات على روسيا. لكن العبرة تكمن في التنفيذ. كذلك، إن رضا ترامب على اتفاق غرينلاند قد لا يدوم لفترة طويلة. وعادة ما يصعب نسيان السياسات الإكراهية، خصوصاً بين الحلفاء، بشكل سريع. إنما في المدى المنظور، وضع أوروبا اليوم أفضل من السابق لجهة درء "الخطر" الآتي من الغرب. "الخطر" الآتي من الشرق كافٍ وأزْيَد.
نبض