لهيب التغير المناخي يلفح أوروبا... في أسوأ توقيت
تشهد أوروبا احتراراً أسرع بمرتين تقريباً من معدل احترار سائر كوكب الأرض.
ساهم التغير المناخي سابقاً في تخفيف بعض التوترات الأوروبية. بين القرنين التاسع والثالث عشر، شهدت أوروبا درجات حرارة أكثر اعتدالاً ساعدت على تعزيز المحاصيل الزراعية، فخفّضت، إلى جانب عوامل أخرى، غزوات الـ"فايكينغ" في الشمال.
لا يمكن منح التغير المناخي الحالي نتائج باعثة على التفاؤل. فأسوأ ما في موجة الحر الأوروبية الحالية ليس درجاتها الحارقة وحسب، بل إمكان تحولها إلى صيف أوروبا الاعتيادي في فصول الصيف المستقبلية.
"موجات الحر هنا باقية، إلى أن نُقفل صنبور الانبعاثات العالمية"، تقول سامانثا بيرجس من "المركز الأوروبي لتوقعات الأحوال الجوية المتوسطة المدى". وتضيف أنّ موجات الحر باتت "أكثر تواتراً وأشد حدة وأطول مدى".
وللتذكير، تُعدّ هذه ثاني موجة حارقة تضرب أوروبا خلال شهرين. وبالكاد دخل نصف الكرة الشمالي مرحلة الصيف.
أوروبا وموجة الحرّ... أرقام سريعة
في إيطاليا، يخشى المزارعون الجفاف بعد انخفاض منسوب نهر "بو" في وقت مبكر جداً. بالحديث عن الأنهار، تم إغلاق مفاعلين نوويين في فرنسا بسبب نقص المياه. وسجلت البلاد حتى الجمعة وفاة ما لا يقل عن 74 شخصاً غرقاً، بينما كانوا يحاولون تبريد أنفسهم، بينما توفي أربعة أطفال داخل سيارات مغلقة. وسجّلت إسبانيا خلال الأسبوع الماضي 300 وفاة مرتبطة بالحرّ.
في الدانمارك، بلغت الحرارة 37 درجة مئوية في مدينة آرهوس السبت، وهو الرقم الأعلى الذي سجلته البلاد منذ 150 عاماً. لا شكّ في أنّ آرهوس فقدت، ولو موقتاً، صفة "مدينة الابتسامات". وسجّل الحر في سلوفاكيا رقماً قياسياً الجمعة، إذ لم تنخفض الحرارة ليلاً عن 26.3 درجة مئوية. والسبت، كسر الحرّ في ألمانيا رقماً قياسياً سابقاً فسجّلت الحرارة في وسط شمال البلاد 41.5 درجة مئوية.
باختصار، عانت أوروبا الغربية تحت ما يصفها العلماء بـ"القبة الحرارية" من حرارةٍ أعلى بنحو 8 درجات مئوية من معدلاتها لهذه الفترة من السنة. والجمعة، خلصت مجموعة من العلماء في "المبادرة العالمية لإسناد الأحوال الجوية" إلى أن التغيّر المناخي مسؤول عن موجة الحر الحالية، مع "استحالة عمليّة" لحصول مثل هذه الظاهرة قبل 50 عاماً.
أوروبا والفواتير المالية للتغير المناخي
وأظهرت دراسة جديدة في مجلة "نيتشر للتغير المناخي" أن أوروبا قد تواجه فاتورة سنوية بمليار يورو بسبب الأضرار في الطرق والسكك الحديد الناجمة عن فيضانات ساحلية، إذا ارتفعت الحرارة 1.5 درجة مئوية مقارنة بحقبة ما قبل العصر الصناعي. علماً أن ثمة خطراً جدياً بتخطي الأرض هذه العتبة الحرارية بشكل لا رجعة عنه.
وأجرت "شركة "أليانز تريد" للتأمين سيناريو إجهاد طبّقت بموجبه السنوات الخمس الأحرّ بين 2014 و2024 على الأعوام المقبلة حتى 2030. كانت النتائج أن فرنسا ستتكبد خسائر إجمالية بقيمة 240 مليار دولار بينما ستواجه ألمانيا وإيطاليا خسائر بقيمة 131 و147 مليار دولار توالياً.
صحيح أنّ لدى أوروبا موارد للمساعدة على التكيف مع الاحتباس الحراري، لكن المشكلة أنها القارة الأسرع احتراراً بسبب قربها من القطب الشمالي. عاملان أساسيان يفسّران ذلك: انحسار الغطاء الجليدي الذي يعكس أشعة الشمس أكثر من التربة العادية، وتكوّن المياه الحلوة الناجمة عن ذوبان الجليد، بحيث تكون أسرع تخزيناً للحرارة من المياه المالحة.
فواتير أخطر
سنة 2003، تم تسجيل نحو 70 ألف وفاة مرتبطة بالحر في أوروبا. سنة 2023، سُجّلت نحو 50 ألف حالة مماثلة. مع أخذ الارتفاع المضطرد لدرجات الحرارة في الاعتبار، تتكيف أوروبا مع الاحترار، ولو ببطء. لكن كما كتبت "إيكونوميست"، تحتاج أوروبا إلى خفض مخاطر التغير المناخي لا مجاراتها وحسب.
وتواجه أوروبا في ظل هذه الأزمة تصاعداً في التيارات الشعبوية وتوتراً تجارياً مع الصين وتفكك حلفها مع الولايات المتحدة، خصوصاً في قضية غرينلاند التي يؤججها الاحترار العالمي. لذا، يظل التغير المناخي عاملاً مضاعِفاً للتهديدات الجيوسياسية الأوروبية، وهي تهديدات تتسارع بوتيرة الاحترار نفسه فوق أراضيها.
نبض