حين رفضت الثلاثاء "طلباً غير رسمي" من الأميركيين لنقل بطاريات "باتريوت" إلى الشرق الأوسط، برّرت بولندا موقفها بالقول إن المنظومة مخصصة للدفاع عن أجواء بولندا والجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي. هذا إن كان سيبقى هناك من حلف أطلسي.
لم يكن إعلان الرئيس دونالد ترامب تفكيره جدياً بالانسحاب من الناتو أمراً مفاجئاً. يقول بعض من خدموا سابقاً معه إنه كان يفكر في ذلك منذ ولايته الأولى.
لكن كان عليه الانتظار حتى ولايته الثانية كي تتحقق له الحجة لفعل ذلك، على ما يبدو. السبب المباشر هنا هو رفض معظم الأوروبيين، بمن فيهم الشركاء الموثوقون مثل بولندا وإيطاليا، مساعدته في الحرب على إيران.
الناتو "نمر من ورق"... حقاً؟
حتى مؤيدو الروابط العابرة للأطلسي في واشنطن، مثل وزير الخارجية ماركو روبيو والسيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، أبدوا استياءهم مؤخراً من الموقف الأوروبي. لكن الإدارة الأميركية لم تسهّل المهمة على نفسها مع استراتيجية الأمن القومي التي تضمنت انتقادات كثيرة للأوروبيين.
وصف ترامب الحلف الأطلسي بأنه "نمر من ورق"، بالرغم من أن ذلك ناقض إلى حد ما افتخاره بتمكنه دفع الحلف إلى إنفاق 5 في المئة من الناتج المحلي لدوله على الدفاع بحلول منتصف العقد المقبل. لكن ذلك يطرح إشكالية جوهرية: كيف بإمكان "نمر من ورق" أن يرفض طلبات ترامب؟
مضيق هرمز... ليّ ذراع
ثمة أسباب عدة للجرأة الأوروبية. أولاً، ربما كان رفض أوروبا مجرد رافعة لانتزاع ضمانات أميركية بشأن أمن حدودها الشرقية ومن ضمن هذه الصورة دعم أوكرانيا. بحسب التطورات الأخيرة، لا يبدو أن التكتيك ينجح. ثانياً، ربما يبيّن التخبط الأميركي في أهدافه بشأن مضيق هرمز أن الولايات المتحدة ليست نمراً حقيقياً هي الأخرى. لكن هذه الرؤية محفوفة بالمخاطر، ومتسرعة في الاستنتاج. ماذا لو تمكنت أميركا في الأسبوعين المقبلين من كسر إرادة إيران في المضيق؟ قد لا يكون هذا الاحتمال راجحاً، لكنه ليس مستحيلاً.
ثالثاً والأهم، خسرت الولايات المتحدة منذ فترة طويلة موقع الداعم المالي والعسكري لأوكرانيا، بالمقارنة مع أوروبا. باتت مساهمات أميركا في هذا الإطار رمزية إلى حد بعيد، بالرغم من أن استخباراتها ساعدت على الأرجح أوكرانيا في رفع نسبة استهدافها للبنية التحتية النفطية في روسيا الصيف الماضي. إذا انسحبت أميركا بشكل شبه نهائي من دعم أوكرانيا عسكرياً، فهذا يعني أنها فقدت غالبية أوراق القوة مع أوروبا.
ترامب والسؤال المفاجئ
ربما لا يزال ترامب في مرحلة التهويل بانتظار أن تتراجع أوروبا عن الحافة في نهاية المطاف. أن ينخرط الطرفان في شد لعبة حبال أمر غير مستبعد حالياً. وسبق أن أقر المشرعون سنة 2024 قانوناً يمنع أي رئيس أميركي من مغادرة الناتو بدون تشريع من الكونغرس أو موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، وللمفارقة، كان روبيو نفسه من بين الذين تقدموا بالمشروع آنذاك.
من غير المرجح أن يوافق الكونغرس على الانسحاب من الحلف، لكن ذلك غير ضروري. بمجرد أن يرسم ترامب ضبابية حول استعداده للدفاع عن حلفائه الأطلسيين في حال تعرضهم للخطر، يصبح الناتو بحكم المنتهي. من كان ليتخيل أن ينتقل السؤال من "هل سيصمد النظام الإيراني"، إلى "هل سيصمد الحلف الأطلسي" بعد الحرب؟
نبض