روسيا والحروب... قدرٌ محتوم؟
"هدفنا هو السلام كغاية بحد نفسها، وهدفهم هو الانتصار، وسواء كان سلاماً أم حرباً، إنه وسيلة لتحقيق غاية، غاية الانتصار – السيطرة السوفياتية أو الروسية أو الشيوعية على العالم".
هذا هو الاختلاف الجوهري بين نظرتي موسكو وواشنطن إلى العالم، بحسب تصريح للرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون سنة 1983. قبل ذلك بثلاثة أعوام، أطلق الرئيس رونالد ريغان نظرية مشابهة: "السوفيات يريدون السلام والانتصار. يجب أن نفهم ذلك وما الذي يعنيه بالنسبة إلينا".
غالباً ما اتسمت العلاقة بين الحرب والسلام بالإشكالية. مفارقة المؤرخ الروماني بوبليوس ريناتوس التاريخية عن أن الرغبة بالسلام لا تتجسد إلا بالاستعداد للحرب هي إحدى الصور المعبّرة. لكن روسيا تأخذ المفارقة إلى مستوى أعلى أحياناً.

إذا كان الاستعداد للحرب قد يردع اندلاع شرارتها بشكل عام، ففي الحالة الروسية، تبدو الحرب أفضل وسيلة... لردع الحرب. إنه "الدفاع الهجومي" بتعبير للخبير في الشؤون الروسية والبروفسور الفخري في كلية لندن الجامعية الدكتور مارك غاليوتي.
"سيسحقوننا"
في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أضاف غاليوتي إلى سلسلة مؤلّفاته عن روسيا كتاباً يتناول العلاقة الجدلية بين روسيا والحروب تحت عنوان: "صيغت في الحرب: تاريخ روسيا العسكري من البدايات وحتى اليوم". وأدرجت مجلة "فوربس" الكتاب ضمن قائمة خمسة كتب ينبغي قراءتها لفهم روسيا والحرب الحالية في أوكرانيا.
ليست فكرة الهجوم الاستباقي ابتكاراً روسياً بطبيعة الحال. لكن في الحالة الروسية، كان هناك سببان على الأقل لهذا "الدفاع الهجومي". الأول أن روسيا عبارة عن أراض شاسعة افتقرت إلى حواجز طبيعية. ثانياً، كما أوضح غاليوتي، كان تاريخ روسيا عسكرياً بشكل كبير، لا بسبب بيئتها والتهديدات والغزوات من جيرانها وحسب، "بل أيضاً من افتراضاتها حول العالم والخيارات التي تعتقد أنها متاحة" أمامها.

لتوضيح ندرة الخيارات بحسب المنظور الروسي، يستشهد الكاتب بما قاله الزعيم السوفياتي الأسبق جوزف ستالين سنة 1931: "(نحن) خلف الدول المتقدمة بخمسين أو مئة عام. علينا أن نغلق هذه الفجوة في عشرة أعوام. إما نحقق ذلك، أو سيسحقوننا".
إذاً، لم يستند الخوف الروسي إلى التهديدات الخارجية وحسب، بل انبثق أيضاً عن نقاط ضعف داخلية، ربما ساهمت في مفاقمته. لكن هذه المخاوف الوجودية غير مقنعة لغاليوتي. فروسيا تملك اليوم قوة الردع المطلقة: الترسانة النووية.
حلقة مفرغة
لم يكن تاريخ روسيا عبارة عن حروب مع الخارج فقط، بل شهد أيضاً مواجهة الحكام لتمردات داخلية. بذلك، يكتمل المشهد، أو الحلقة المفرغة، إلى حد بعيد: تعبئة داخلية متواصلة ضد تهديدات خارجية، متصورة كانت أم حقيقية، سرعان ما تنتج حروباً أو تمردات. حتى الإصلاحات ومحاولات الإصلاح يمكن أن تقع ضحية لتلك الحلقة.
بمعنى آخر، تحتاج روسيا إلى رجل قوي يحكم بقبضة حديدية، لكن هذا الحكم الذي يفرض تكاليف مالية وبشرية باهظة لإسناد القوة الروسية يخاطر بإغضاب الشعب. بالتالي، يمكن فهم لماذا يتجنب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إعلان تعبئة جزئية شبيهة بتلك التي أقرها في أيلول/سبتمبر 2022.
باختصار، "يتأرجح البندول بين الخوف من التهديد الخارجي والخوف من الاضطراب الداخلي"، بحسب تعبير المؤلّف. ويرى غاليوتي أن مفهوم "المهاجمة أولاً" حين تلوح الفرصة، هو جزء من "ثقافة استراتيجية" في البلاد. ربما كان غزو أوكرانيا جزءاً من الفرصة التي أتيحت أمام بوتين بعد شعوره بضعف الولايات المتحدة عقب الانسحاب من أفغانستان.

لكن هذه الثقافة ضاربة في التاريخ الروسي، كما حصل مثلاً حين هاجم بطرس الأكبر السويد في حرب الشمال العظمى. لهذا يعتبر غاليوتي أنها تجمع الكثير من القادة الروس بدءاً بفلاديمير العظيم (958-1015) مروراً بفلاديمير لينين وصولاً إلى فلاديمير بوتين.
هل التاريخ قدر؟
بالحديث عن حرب الشمال العظمى (1700-1721)، برز اسم المؤرخ القومي فلاديمير ميدينسكي بصفته رئيساً متشدداً للوفد الروسي في مفاوضات إنهاء الحرب مع أوكرانيا. في ربيع 2025، وبحسب تقارير، هدد ميدينسكي نظراءه الأوكرانيين قائلاً: "لقد حاربنا السويد طوال 21 عاماً. فإلى أي مدى أنتم مستعدون للقتال؟"
لم تكن روسيا وحدها من حارب السويد في تلك الحقبة، بالرغم من أن دورها كان مفصلياً. ولا يبدو أن روسيا قادرة على مواصلة الحرب لسنوات، ناهيكم عن عقود. فالميدان، في بعض المحاور على الأقل، يشهد تقدماً موضعياً للأوكرانيين، خصوصاً بعدما فصلت "ستارلينك" خدمة الإنترنت عن الجنود الروس. غير أن المهم في سؤال ميدينسكي كشفه مدى عمق الجذور التاريخية للنظرة الروسية إلى أوكرانيا والدول المجاورة.
لكن هل ينبغي للتاريخ، أقله بحسب السردية الروسية، أن يكون قدراً؟
بحسب غاليوتي، لا. ليس التاريخ، ولا حتى الجغرافيا، قدراً.
ما إذا كانت روسيا تريد تأكيد قناعته مسألة أخرى.
نبض