إيران والحوثيون يضغطان على ترامب بالنفط... تنسيق قبل الانتخابات؟
قبل أقل من ثلاثة أسابيع على انتخابات التجديد النصفي الأميركية، يجد الرئيس دونالد ترامب نفسه أمام ضغط نفطي متصاعد من جبهتين: إيران تهدد الملاحة في مضيق هرمز، والحوثيون يستهدفون منشآت حيوية في السعودية. وبين الجبهتين، تتزايد المخاوف من ارتفاع أسعار الطاقة وانعكاساتها على حظوظ الجمهوريين في اقتراع 3 تشرين الثاني/نوفمبر.
في 13 تشرين الأول/أكتوبر، اتهم ترامب الحوثيين بتعمّد رفع أسعار النفط قبل الانتخابات، مرجحاً تحركهم بتوجيه إيراني، عقب هجمات استهدفت مطار الملك خالد في الرياض ومبنى إدارياً لشركة أرامكو في الظهران.
وفي اليوم التالي، نقلت "رويترز" عن مسؤولين إيرانيين رفيعين أن طهران غيّرت تكتيكات استهداف السفن في هرمز ومحيطه، سعياً إلى إبقاء أسعار النفط مرتفعة والتأثير في الانتخابات الأميركية. وتزامن ذلك مع تسجيل خمس حوادث أمنية على الأقل طاولت سفناً تجارية خلال 48 ساعة.
هذا التزامن يطرح سؤالاً يتجاوز توقيت الهجمات: هل تتحرك إيران والحوثيون ضمن استراتيجية مشتركة لاستنزاف واشنطن اقتصادياً، أم أن الطرفين يستثمران الظرف نفسه لتحقيق أهداف مختلفة؟ تستطلع "النهار" آراء خبراء في السياسة والطاقة والملاحة لفهم طبيعة العلاقة وحدود تأثيرها.
هرمز وباب المندب... أين تكمن المخاطرة؟
أعاد استهداف أرامكو المخاوف على أمن المنشآت النفطية السعودية، رغم عدم ثبوت تعطّل الإنتاج نتيجة إصابة المبنى الإداري. فالأسواق تميّز بين الأضرار المحدودة وتعطيل منشآت الإنتاج أو التصدير، وإن كانت الهجمات ترفع المخاطر المحيطة بالإمدادات.
وكانت المملكة قد حوّلت نحو أربعة ملايين برميل يومياً عبر خط أنابيب الشرق والغرب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، لتقليل اعتمادها على هرمز.
لكن الباحث في "معهد بيكر" في "جامعة رايس" جيم كرين، يحذر في حديث لـ"النهار" من أن البدائل السعودية "مفيدة، لكنها ليست مضمونة بالكامل". فإغلاق هرمز وباب المندب معاً قد يقيّد خيارات التصدير ويزيد الاعتماد على المسارات الشمالية، بما فيها قناة السويس وخط أنابيب سوميد.
وتختلف درجة المخاطرة بحسب الوجهة؛ فالشحنات الخارجة من ينبع شمالاً نحو أوروبا لا تحتاج إلى عبور باب المندب، بخلاف الشحنات المتجهة جنوباً نحو الأسواق الآسيوية.
وتكشف بيانات شركة "كبلر" المتخصصة في تتبع تجارة الطاقة حجم التكيّف مع اضطرابات هرمز. فبحسب تحليل للباحث إيمانويل بيلوسترينو، باتت ناقلات تعبر المضيق مع تعطيل أنظمة التعرف الآلي، ثم تنقل حمولاتها إلى سفن أخرى قبالة الفجيرة وصحار.
وخلال آب/أغسطس، نُقل أكثر من 70 في المئة من الخام الذي عبر المضيق بين ناقلات في خليج عمان، في ترتيبات تزيد التعقيدات اللوجستية وتجعل صور الأقمار الصناعية أساسية لتتبع حركة النفط.
ويرى الباحث المتخصص في شؤون الخليج في "معهد بيكر" كريستيان كوتس أولريكسن، أن تحويل الصادرات السعودية إلى البحر الأحمر ساهم في تخفيف اضطرابات الحرب خلال الربيع، لكن تهديد هذا المنفذ يمنح الحوثيين نفوذاً تفاوضياً إضافياً.
ويضيف لـ"النهار" أن أزمة متزامنة في المضيقين ستستدعي اهتماماً مباشراً من البيت الأبيض، الذي يسعى إلى خفض أسعار الطاقة.

تنسيق عملياتي أم تقاطع مصالح؟
رغم التقارب العسكري والسياسي بين إيران والحوثيين، تحذر الباحثة الأولى في الأكاديمية النمساوية للعلوم، ماريكه برانت، من التعامل مع الجماعة اليمنية باعتبارها مجرد ذراع إيرانية.
وتوضح لـ"النهار" أن العداء الحوثي للسعودية سبق تعمّق العلاقة بطهران، وأن جذوره ترتبط بالصراع العقائدي والحروب اليمنية.
وتؤكد أن القرار العسكري والسياسي يتمحور حول زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، فيما لا تعني الاستفادة من التكنولوجيا والمشورة الإيرانيتين تلقّي أوامر عملياتية من طهران. ووفق تقديرها، تقوم العلاقة على شراكة تتقاطع فيها المصالح من دون أن تتطابق بالضرورة.
في المقابل، تعتبر الباحثة في شؤون إيران في "مركز ستيمسون" باربرا سلافين أن سعي طهران لإبقاء أسعار النفط مرتفعة "ذو مصداقية كبيرة"، وأن تهديد الحوثيين باب المندب يتكامل عملياً مع الضغط الإيراني على هرمز.
لكن سلافين تشدد، في حديث لـ"النهار"، على أن الانتخابات الأميركية تشكل حافزاً إضافياً للتصعيد، وليست تفسيره الوحيد. فطهران تسعى أيضاً إلى رفع الحصار الأميركي والإفراج عن أصولها المجمدة، مع إدراكها أن التصعيد قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
وهكذا، قد يتحقق الضغط المشترك على واشنطن حتى من دون وجود غرفة عمليات موحدة، ما دام كل طرف يملك دوافعه الخاصة للاستمرار في التصعيد.
هل يدفع الجمهوريون الثمن؟
تُظهر حركة الأسواق أن الهجمات ليست العامل الوحيد الذي يحدد الأسعار. فقد تراجع خام برنت بنسبة 2.2 في المئة، الخميس 15 تشرين الأول/أكتوبر، إلى 103.78 دولارات للبرميل، وسط أنباء عن احتمال تخفيف القيود الأميركية على ناقلات النفط الروسية.
لكن المشكلة بالنسبة إلى ترامب تتجلى بصورة أوضح في محطات الوقود الأميركية. فقد بلغ متوسط سعر غالون البنزين 4.33 دولارات، مقارنة بـ3.07 دولارات قبل عام، وفق جمعية السيارات الأميركية (AAA)، ما يضع القدرة الشرائية في صلب المعركة الانتخابية.

ويقول أستاذ القانون والسياسات العامة ومدير استطلاع كلية الحقوق في "جامعة ماركيت" تشارلز فرانكلين، لـ"النهار" إن استطلاعات الرأي تظهر تصاعد القلق الاقتصادي لدى الأميركيين خلال عام 2026، مدفوعاً بارتفاع أسعار البنزين وتوقعات التضخم، حتى بات عدد الذين يرون أن أوضاعهم المعيشية تدهورت مقارنة بالعام الماضي أكبر من عدد الذين يعتقدون أنها تحسنت.
ويوضح فرانكلين أن هذا الاستياء، مقترناً بتراجع شعبية ترامب وانخفاض التأييد للحرب مع إيران، يشكل عبئاً كبيراً على المرشحين الجمهوريين، ويجعل المنافسة الانتخابية محتدمة حتى في ولايات فاز فيها ترامب بفوارق واسعة عام 2024. ومع ذلك، يؤكد أن نتائج العديد من السباقات لا تزال مفتوحة على جميع الاحتمالات.
نبض