نهاية "العمق الآمن"... الجغرافيا تخسر الحرب

دوليات 26-06-2026 | 05:45

نهاية "العمق الآمن"... الجغرافيا تخسر الحرب

المسافة التي كانت تمثل عنصر حماية فقدت جزءاً مهماً من قيمتها أمام انتشار المسيّرات منخفضة الكلفة، وتطور القدرات الاستخبارية، وازدياد القدرة على نقل الحرب إلى داخل أراضي الخصم قبل بدء الهجوم الرئيسي.

نهاية "العمق الآمن"... الجغرافيا تخسر الحرب
صورة بالأقمار الاصطناعية لطائرة روسية من طراز "تو-22" مدمّرة في قاعدة بيلايا الجوية بمنطقة إيركوتسك، بعد هجوم بالمسيّرات نفذته أوكرانيا ضمن عملية "عش العنكبوت"، 4 حزيران/يونيو 2025. (رويترز)
Smaller Bigger

شكّلت عملية "عش العنكبوت" الأوكرانية في حزيران/يونيو 2025 حدثاً عسكرياً استثنائياً، ليس بسبب عدد الطائرات الروسية التي قيل إنها أُصيبت أو تعطلت، وإنما لأنها وجّهت ضربة مباشرة إلى إحدى أكثر المسلّمات رسوخاً في الفكر العسكري الحديث، وهي أن العمق الجغرافي يوفر قدراً من الحماية للأصول الاستراتيجية. فالقواعد الجوية البعيدة، والمنشآت الحساسة الواقعة خلف خطوط المواجهة، والجزر العسكرية المعزولة، كانت تُعد لعقود جزءاً من منطقة يصعب الوصول إليها واستهدافها.

لكن التطورات التي شهدتها الحروب خلال الأعوام الأخيرة تشير إلى أن هذه الفرضية تتآكل بسرعة. فالمسافة التي كانت تمثل عنصر حماية فقدت جزءاً مهماً من قيمتها أمام انتشار المسيّرات منخفضة الكلفة، وتطور القدرات الاستخبارية، وازدياد القدرة على نقل الحرب إلى داخل أراضي الخصم قبل بدء الهجوم الرئيسي.

 

تآكل الحصانة الجغرافية

استند مفهوم العمق الآمن لعقود إلى ثلاثة عناصر رئيسية، هي صعوبة الوصول إلى الأهداف البعيدة، وارتفاع كلفة استهدافها، وإمكان اكتشاف التهديد قبل وصوله. لكن التطورات التكنولوجية خلال العقدين الأخيرين أضعفت هذه العناصر تدريجياً، وأعادت طرح أسئلة جوهرية بشأن قدرة الجغرافيا وحدها على توفير الحماية.

وكانت هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 من أوائل المحطات التي أظهرت حدود هذه الفرضية. فالهجوم الذي استهدف نيويورك وواشنطن أثبت أن أقوى دولة في العالم يمكن أن تتعرض لضربة استراتيجية داخل أراضيها، رغم بعدها عن ساحات الصراع التقليدية.

وفي أيلول/سبتمبر 2019، جاء الهجوم على منشآت "أرامكو" السعودية ليضيف دليلاً جديداً. فعدد محدود من المسيّرات والصواريخ المجنحة تمكن من تعطيل جزء مهم من إنتاج النفط في المملكة بصورة موقتة، وأثار نقاشاً واسعاً داخل الأوساط العسكرية بشأن هشاشة المنشآت الحيوية أمام وسائل هجومية منخفضة الكلفة نسبياً.

 

من روسيا إلى إيران

وصل هذا المسار إلى مرحلة جديدة مع الحرب الأوكرانية - الروسية. ففي عملية "عش العنكبوت"، استخدمت أوكرانيا، وفق روايتها، 117 مسيّرة جرى تهريبها داخل حاويات نُقلت فوق شاحنات مدنية إلى عمق الأراضي الروسية، قبل إطلاقها قرب قواعد جوية استراتيجية. وأعلنت كييف أن العملية أصابت أو عطلت 41 طائرة، بينها قاذفات استراتيجية وطائرات إنذار مبكر.

ورأى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية "CSIS" أن أهمية العملية تتجاوز الخسائر المباشرة، لأنها أظهرت أن منشآت تقع على مسافات بعيدة من الجبهة يمكن أن تصبح عرضة للاستهداف عبر وسائل منخفضة الكلفة نسبياً. أما "تشاتام هاوس" فاعتبر أن العملية تفرض إعادة تقييم شاملة لمفهوم حماية القواعد الخلفية في عصر المسيّرات.

لكن التجربة الإيرانية ربما حملت بعداً مختلفاً وأكثر تعقيداً. ففي الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، برزت تقارير عديدة تحدثت عن دور بنية استخبارية جرى إعداد أجزاء منها داخل إيران على مدى سنوات. وشملت تلك الجهود، وفق تقارير غربية وإسرائيلية وإيرانية، تهريب معدات وتقنيات اتصال ومكونات تشغيل مسيّرات إلى الداخل الإيراني، إلى جانب بناء شبكات قادرة على جمع المعلومات وتحديد مواقع الرادارات ومنصات الصواريخ ومراكز القيادة.

وخلال الساعات الأولى من حرب الـ12 يوماً، جرى تشغيل مسيّرات ووسائط هجومية من داخل الأراضي الإيرانية بالتزامن مع الضربات الجوية القادمة من الخارج. واستهدفت هذه العمليات عدداً من منظومات الدفاع الجوي ومواقع إطلاق الصواريخ، ما ساعد في إرباك منظومات الرصد والإنذار خلال المرحلة الافتتاحية من المواجهة. ووفق تحليلات نشرها "معهد دراسات الحرب" (ISW)، أسهمت هذه العمليات في تسهيل الضربة الرئيسية وإضعاف قدرة إيران على الاستجابة السريعة في الساعات الأولى.

تكشف التجربتان الروسية والإيرانية تحوّلاً مهماً في طبيعة الصراع. فالوصول إلى العمق الاستراتيجي لم يعد يتطلب اختراق مسافات شاسعة أو تجاوز طبقات متتالية من الدفاعات الجوية. وأصبح بإمكان الخصم استغلال شبكات استخبارية أو وسائل هجومية جرى إدخالها مسبقاً إلى الدولة المستهدفة، ما يمنح الهجوم نقطة انطلاق أقرب إلى الهدف وأكثر صعوبة في الاكتشاف.

 

المسافة التي كانت تمثل عنصر حماية فقدت جزءاً مهماً من قيمتها أمام انتشار المسيّرات منخفضة الكلفة. (أ ف ب)
المسافة التي كانت تمثل عنصر حماية فقدت جزءاً مهماً من قيمتها أمام انتشار المسيّرات منخفضة الكلفة. (أ ف ب)

 

 

حتى الجزر البعيدة دخلت دائرة الخطر 

لم يقتصر هذا التحوّل على المنشآت الواقعة في عمق الدول. فجزيرة دييغو غارسيا، التي تضم واحدة من أهم القواعد الأميركية في المحيط الهندي، كانت تُعتبر لسنوات طويلة نموذجاً للموقع المحصن بفعل بعدها الجغرافي وموقعها المعزول.

لكن محاولة إيران استهداف الجزيرة خلال الحرب الأخيرة أظهرت أن المواقع البعيدة هي الأخرى أصبحت جزءاً من معادلات الردع والاستهداف. وحتى مع عدم تسجيل إصابات مؤكدة، فإن مجرد إدخال قاعدة تقع على بعد آلاف الكيلومترات في حسابات المعركة يحمل دلالة استراتيجية مهمة.

فالقواعد التي كانت تُصنف سابقاً ضمن الأصول البعيدة عن متناول الخصوم باتت تواجه واقعاً مختلفاً. إذ جعل التطور المتسارع في الصواريخ بعيدة المدى والمسيّرات وقدرات الاستطلاع والاستهداف المسافات الطويلة أقل قدرة على توفير الحماية التي منحتها في العقود السابقة.

 

عصر جديد من الردع

تكشف الأمثلة الممتدة من نيويورك و"أرامكو" إلى روسيا وإيران و"دييغو غارسيا" أن إحدى أقدم قواعد الردع العسكري تواجه تحدياً متزايداً. فالجغرافيا لم تعد العامل الحاسم الذي كانت عليه سابقاً، والمسافة لم تعد ضمانة كافية لحماية الأصول الاستراتيجية، فيما توسعت قدرة الدول والجماعات المسلحة على نقل التهديد إلى عمق خصومها.

لهذا السبب تتجه الجيوش الكبرى إلى مراجعة عقائدها الدفاعية، مع تركيز أكبر على توزيع الأصول العسكرية، وتعزيز إجراءات الحماية الداخلية، وتطوير أنظمة مواجهة المسيّرات، وبناء شبكات إنذار واستخبارات أكثر تعقيداً.

ويوحي ما شهدته السنوات الأخيرة بأن الحروب تدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها قيمة العمق الجغرافي تدريجياً، فيما ترتفع أهمية القدرة على الوصول إلى العمق، وتعطيل الخصم من الداخل، وحرمانه من الشعور بأن هناك مساحة آمنة تقع خارج ساحة المعركة.