الصحة النفسية في لبنان والإمارات: تنظيم متقدّم وحاجات تتجاوز الموارد

صحة وعلوم 10-10-2026 | 10:06

الصحة النفسية في لبنان والإمارات: تنظيم متقدّم وحاجات تتجاوز الموارد

بين فجوة العلاج في لبنان وتجربة التنظيم في الإمارات، تبرز الحاجة إلى رعاية نفسية متاحة ومستدامة للجميع.

الصحة النفسية في لبنان والإمارات: تنظيم متقدّم وحاجات تتجاوز الموارد
الصحة النفسية في لبنان والإمارات (Pexels)
Smaller Bigger

كريستابيل نجم

 

 

تقف منظومة الصحة النفسية في عالمنا العربي أمام اختبار إنساني وهيكلي حرج، فبينما تتصاعد التوعية والدعوات إلى كسر الوصمة الاجتماعية يصطدم الواقع بفجوة ضخمة بين الحاجة المتزايدة والموارد المتاحة.

وفي بلد مثل لبنان، تتجلّى الأزمة بوضوح: نسب انتحار، تحدّيات ضخمة تُقابلها جمعيات أهلية، مبادرات رزحت تحت وطأة قوائم انتظار طويلة، ضغوط لا تُطاق وأفراد يُحرمون الرعاية لأنَّ تكلفة الجلسات تتجاوز قدرتهم المادية.

خلف هذه الأرقام أرواح نخشى أن نفقدها واضطرابات تُؤكّد الدراسات تفاقمها، ما يجعل التدخّل والدعم ضرورة حتمية لا تتحمل التأجيل، فالهدف الأسمى هو ألّا نُخاطر بحياة أيّ شخص لِيحصل الجميع على العلاج المُستحقّ.

في المقابل تبرز التجربة الإماراتية نموذجاً يعتمد على الحوكمة الصارمة، الرقابة الحكومية وتوسيع التغطية التأمينية لإدارة القطاع وضمان وصول الخدمة إلى أكبر عدد ممكن. 

 

 

الدعم النفسي جزء من الرعاية الصحية (Pexels)
الدعم النفسي جزء من الرعاية الصحية (Pexels)

 

 

 

الواقع المهني والرقابي للصحة النفسية في الإمارات

 

تُسلّط الدكتورة تريز ورد، المحلّلة النفسية والأستاذة الجامعية السابقة، الضوء على واقع ممارسة مهنة الصحة النفسية في دولة الإمارات، واصفةً إيّاه بأنه "نظام يُبنى بالدرجة الأولى على التنظيم الحازم والاشراف المباشر من مؤسّسات الدولة". 

 

فخلافاً للنموذج اللّبناني الذي يعتمد أساساً على النقابات المهنية في إدارة القطاع، تندرج هذه المسؤولية حصراً من ضمن صلاحيات الهيئات الصحية الحكومية التي تفرض شروطاً صارمة لمنح إذن مزاولة المهنة.

 

وتوضح أنَّ "ممارسة المهن النفسية في الإمارات تخضع لرقابة صحية دقيقة تبدأ من التحقّق من المؤهّلات الأكاديمية والمهنية عبر نظام "DataFlow" الذي يشمل التدقيق في الشهادات والرجوع إلى الجامعات والمؤسّسات التعليمية المانحة لها". وبعد استكمال الاجراءات، تُصدر الجهة الصحية المختصّة إذن الممارسة.

 

لا يزال الترخيص موزّعاً بحسب الإمارة، إذ تمنح هيئة الصحة في دبي "DHA" تراخيص الممارسة، فيما تتولّى جهات صحية أخرى ذلك في أبوظبي، الشارقة والعين، وسط مساعٍ لتوحيدها لم تُستكمل بعد، ما قد يتطلّب من بعض الاختصاصيين أكثر من إذن بحسب نطاق عملهم.

 

وتستشهد الدكتورة ورد بتجربتها، إذ خضع ملفها لدى هيئة الصحة لتدقيق استغرق نحو شهرين إلى ثلاثة أشهر قبل منحها الترخيص الذي يُجدَّد كلّ سنتين شرط استيفاء متطلّبات التطوّر المهني المستمر من مؤتمرات، برامج علمية واعتمادات محدّدة. 

 

وترى أنَّ "دقّة هذه التدابير تُعزّز حماية المرضى والاختصاصيين، فيما تتوافر خدمات الصحة النفسية على نطاق واسع في الإمارات خصوصاً في القطاع الخاص إلى جانب حملات وبرامج توعوية تُنظّمها الجهات المعنية".

 

وفي أبوظبي، تشمل منظومة "ثقة" للتغطية الصحية للمواطنين العلاج النفسي وتُتيح لحامليها الاستفادة من الجلسات في المؤسّسات الخاصة وفق الأنظمة المعتمدة. 

 

أمّا في دبي، فتختلف تغطية العلاج بحسب نوع البوليصة، فقد تستثنيه الخطط الأساسية أو تُغطيه جزئيّاً، فيما تتوسّع في الخطط الأعلى وقد يتحمّل التأمين جزءاً من التكلفة أو كاملها وفق البوليصة والتفاهم مع المركز.

وتبقى التكلفة عائقاً أساسياً أمام العلاج إذ تراوح الجلسة في دبي بين 1000 و1500 درهم (300 إلى 500 دولار)، بحسب المركز، الخدمات، التخصّص، الخبرة والسمعة.

 

 

 

الصحة النفسية في لبنان والإمارات (Magnific)
الصحة النفسية في لبنان والإمارات (Magnific)

 

 

 

 

ورغم ارتفاع الدخل، تجعل تكلفة المعيشة المرتفعة هذا المبلغ عبئاً على كثيرين، فيما يُخفّفها التأمين من دون ضمان تغطيتها كاملة، إذ قد تُحدّد البوليصة عدد الجلسات أو نسبة التغطية.

 

أمّا الأدوية النفسية، فتُؤكّد أنَّ "وصفها من صلاحية الطبيب النفسي حصراً، وتخضع لرقابة صحية مشدّدة تشمل التفتيش الدوري والمفاجئ على الوصفات والكميات فيما يضمّ مركزها صيدلية داخلية". 

 

ويستلزم تجديد الدواء وصفة جديدة بعد مراجعة الطبيب شخصياً ولا يُمكن تجديدها هاتفياً للحدّ من سوء الاستخدام أو الاتجار غير المشروع.

 

ولا ترى "الوصمة عائقاً بارزاً في دبي، في ظلّ تنوعّها الثقافي وحملات التوعية وإن كانت أكثر حضوراً في إمارات أخرى. العائق الأكبر هو التكلفة، إذ قد تحدّ التغطية التأمينية من عدد الجلسات أو نسبتها".

 

مقارنة  بلبنان، تشرح أنَّ "العلاج النفسي أقلّ تكلفة وأكثر قدرة على الوصول إلى شرائح أوسع، إذ تراوح الجلسة بين 20 و30 دولاراً وقد تصل إلى 150 دولاراً بحسب المعالج والمنطقة".

 

في الإمارات، الدخل أعلى لكن تكلفة المعيشة والعلاج مرتفعة أيضاً ما يجعل التأمين عاملاً أساسياً في استدامة العلاج رغم محدودية التغطية.

 

وأبرز ما يُميّز النموذج الإماراتي هو تولي الدولة مباشرةً الترخيص، الرقابة وتحديث الضوابط، بدلاً من ترك تنظيم المهنة للنقابات، معتبرةً أنَّ "ذلك يجعل الإطار أكثر مؤسّساتية ويحدّ من المصالح الشخصية أو الفئوية".

ولا تعتبر أنَّ لبنان خالٍ من الجهود، مشيدة بوزارة الصحة إلى جانب جهود النقابة في تنظيم المهنة. والمطلوب ليس استنساخ التجربة الإماراتية بل الاستفادة منها خصوصاً في الترخيص والتدقيق بالشهادات، كما تنظيم الممارسة لحماية المرضى والاختصاصيين.

 

وتدعو إلى "طلب المساعدة مبكراً، مختصرة رسالتها بأن "جَرّبوا"، إذ قد تبدأ الاضطرابات النفسية بأعراض بسيطة وتتفاقم إذا أُهملت، فيما يُمكن علاجها دوائياً بإشراف الطبيب النفسي أو بالعلاج الكلامي، فالصحة النفسية تستحق الرعاية كالصحة الجسدية".

 

 

التنمّر بين الطلاب (Pexels)
التنمّر بين الطلاب (Pexels)

 

 

 

تنظيم متقدّم وحاجة تتجاوز الموارد

 

 

يتناول نقولا بشاره رزق العضو المؤسّس في نقابة النفسانيين، تسليط الضوء على تطوّر تنظيم المهنة في لبنان. فقبل 2015، لم يكن البلد مهيّأً لحجم الحاجة بسبب نقص عدد الاختصاصيين، ضعف الوعي وتراكم الأزمات.

 

بدأت الانطلاقة التشريعية في 2017 مع القانون الرقم "8" الذي حدّد شروط ممارسة علم النفس العيادي والتربوي ومن يحقّ له حمل صفة النفساني تحت إشراف وزارة الصحة تلاه عام 2022 قانون إنشاء النقابة وإلزامية الانتساب إليها التي تجاوز عدد أعضائها 1800.

خلال العقد الأخير وخصوصاً بعد انفجار المرفأ، كورونا والأزمة الاقتصادية، تراجع الحرج من طلب العلاج النفسي. 

 

ويلفت رزق إلى أنَّ المراهقين كانوا يُشكّلون 70% إلى 75% من مُراجعيه، قبل الأزمة فيما أصبح متوسّط الأعمار اليوم بين 35 و40 عاماً مع ارتفاع حضور النساء. لكن التكلفة تبقى العائق الأبرز، لأنّ العلاج يتطلّب متابعة أسبوعية.

 

تتراوح تكلفة الجلسة بحسب الاختصاص والخبرة بين نحو 60 و70 دولاراً لدى المعالج الخبير، بمعدّل أربع أو خمس جلسات شهرياً، ما يُثقل كاهل ذوي الدخل المحدود. 

 

وبدأت بعض شركات التأمين بتغطية خدمات نفسية محدّدة، فيما يجري العمل على إدراج الصحة النفسية ضمن الضمان.

 

ومنذ 2023 وضعت النقابة تعرفة دنيا للعلاج النفسي كمرجع للتأمين والجهات الضامنة. أمّا الأدوية النفسية فقد تشملها التغطية وفق شروط كلّ جهة، فيما لا تُغطي بعض الشركات الاستشفاء النفسي.

 

يُشير رزق إلى أنَّ "أكثر من 1800 نفساني لا يُلبّون حجم الحاجة في ظلّ الاضطرابات النفسية، الاكتئاب وحالات الانتحار".

 

ولممارسة علم النفس العيادي أو التربوي يُشترط ماجستير على الأقلّ، تدريب وإذن مزاولة من وزارة الصحة. ويخضع الأعضاء الجدد لبرنامج تدريبي لنحو سنتين وإشراف مهني لمدّة سنة ونصف سنة إلى سنتين بنحو 50 إلى 60 ساعة.

 

وتنظر لجنة الأخلاقيات المهنية في الشكاوى، فيما تجري التحقيقات الأولية وقد تُحال المخالفات الجسيمة إلى المجلس التأديبي. 

 

وتظلّ ثغرة انتحال صفة النفساني من غير المنتسبين إلى النقابة أو الحاصلين على ترخيص إذ لا تملك النقابة صلاحية تأديبهم، ما يستدعي تدخّل وزارة الصحة.

 

ويُؤدّي البرنامج الوطني للصحة النفسية في الوزارة دوراً محورياً في تنسيق المبادرات وربطها بالجهات العاملة في المجال بينما يتعاون مع الجمعيات، منها "Embrace" عبر خطّ الحياة لمساندة الأشخاص الذين تُراودهم أفكار انتحارية.

 

وهناك مبادرات جامعية وخدمات للصحة النفسية أيضاً، لكن الحاجة أكبر من الموارد، ما يتطلّب تمويلاً أكبر وحلولاً تشمل العيادات، المستوصفات وخدمات ميسّرة لمن لا يستطيعون تحمّل التكلفة.

 

في رأي رزق، "لا يكفي التعامل مع الحاجة الآنية بل يجب الاستثمار على المدى الطويل في الصحة النفسية الأسرية والمدرسية، صحة المراهقين والوقاية، لأنَّ التوعية لا تُبنى بالإعلام وحده، إنَّما عبر المدارس، العائلة والمجتمع. كما يجب تخفيف الوصمة، عدم إخفاء الألم النفسي والاستفادة من خبرات الاختصاصيين اللّبنانيين العاملين في الخليج وأوروبا بدلاً من إعادة اختراع الحلول".

 

 

المرأة بين الضغوط النفسية والاجتماعية (Pexels)
المرأة بين الضغوط النفسية والاجتماعية (Pexels)

 

 

يبقى التحدّي الأساسي "في تحويل هذه الجهود إلى خدمات مستدامة عبر موارد أكبر وكوادر مؤهّلة وملتزمة التدريب المتداول بحيث لا تبقى الاستجابة للصحة النفسية موسمية أو مرتبطة بحملات موقّتة".

 

لم تعد الرعاية النفسية خياراً ثانوياً أو مجرّد حملات توعية فصلية بل ضرورة ملحّة لاستنقاذ الأرواح. وخطّ الدّفاع الأوّل لا يبدأ من عيادة المعالج إنّما من تنشئة أجيال تتّقن مهارة التعبير، فالكتمان والانطواء بذور لاضطرابات قد تتفاقم مستقبلاً إلى جرائم، إنهاك مجتمعي وانتحار.

 

هنا يبرز دور الدولة بصفتها الأم الثانية والملاذ الآمن، فكما تُستنفر الطاقات الطبّية لإنقاذ الإنسان لحظة ولادته، على المؤسّسات توفير الأمان النفسي لأبنائها فلا يُترك أحد ضحيةً للوصمة أو عجز التكلفة.

 

 

الأكثر قراءة

ثقافة 10/9/2026 5:11:00 AM
لا سبيل إلى إنقاذ الموقوف في معمل البصل إلا بالوصول إليه قبل الإنطلاق به إلى دمشق
دوليات 10/9/2026 9:02:00 PM
بيانات أولية تشير إلى زلزال بقوة 8 درجات في بنما وتهديد محتمل بتسونامي، فيما يرتبط تولّد هذه الأمواج بموقع الهزة وعمقها وحركة قاع البحر.
الولايات المتحدة 10/9/2026 10:43:00 PM
عيّن ترامب كاتي زكاريا متحدثة باسم البيت الأبيض خلفاً لكارولين ليفيت. وهي معلّقة سياسية محافظة ومتحدثة سابقة باسم وزارة الأمن الداخلي.
لبنان 10/9/2026 1:31:00 PM
عُثر على عبد الله كرامي، صهر الرئيس الراحل عمر كرامي، جثة مصابة بطلق ناري داخل مكتبه في طرابلس.