اليوم العالمي للصحة النفسية: كسر الصمت قبل فوات الأوان

صحة وعلوم 10-10-2026 | 10:07

اليوم العالمي للصحة النفسية: كسر الصمت قبل فوات الأوان

الصحة النفسية ليست ترفاً ولا ضعفاً بل مسؤولية تبدأ بكسر الصمت، احتواء الألم وتوفير الدعم والعلاج لكلّ من يحتاج إليهما.
اليوم العالمي للصحة النفسية: كسر الصمت قبل فوات الأوان
اليوم العامي للصحة النفسية (Pexels)
Smaller Bigger
كريستابيل نجم

 

 

الصحة النفسية ليست مجرّد خيارٍ متاح للعلاج ولا ملاذاً يُطرق بابه خفية، بل هي المساحة الأخيرة التي تُصان فيها النَّفس وتُستعاد كرامتها الوجودية.

 

فمتى غَدَرنا بها بالصمت، غدا الخجل قيداً يُحاصر الإنسان ويتحوّل الكتمان إلى صرخةٍ حبيسة تتردّد في أروقة العزلة. لا نحتاج إلى مجرّد مصطلحاتٍ جافة بل إلى صرخة حقيقية تُصارح المجتمع بعيداً من وهم "الكمال".

 

قبل أيّ نقاشٍ أكاديمي، لِنعترف جميعاً: لا أحد منا معصوم عن الانكسار، الضعف النفسي ليس اضطراباً في العقل بل استجابة طبيعية لواقعٍ أليم. وعليه لا بد من اقتلاع مصطلحات "وصمة العار" و"الخجل" من جذورها. 

 

 

الصحة النفسية تبدأ من كسر الصمت (Pexels)
الصحة النفسية تبدأ من كسر الصمت (Pexels)

 

 

بناء الوعي وحماية الطفولة من بيئة التنمّر 

 

 

ترى الاختصاصية النفسية السريرية ندى كوسا (وهي ملكة جمال لبنان السابقة ) أنَّ “مواجهة التنمّر تبدأ من التربية والثقافة السائدة، إذ اعتدنا في مجتمعاتنا على اعتبار السخرية نوعاً من المزاح، فنضحك أحياناً أو نُشجّع هذا السلوك من دون أن نُدرك أثره".

 

ترتكز الوقاية الحقيقية على غرس الوعي في نفس الطفل منذ نعومة أظفاره، ليُميّز بوضوح بين مزاحٍ بريء وأذى مقصود. واجبنا أن نُعلّمه حدوده، حقوقه ونمنحه الشجاعة ليتفوّه بكلمة "لا"، فيثق بأنَّ طلب المساعدة والتبليغ عن التنمّر ليس ضعفاً بل حماية لنفسه ممن هم في سنّه أو يكبرونه. فإجلال الكبار لا يعني إطلاقاً قبول الإهانة أو تقبّل الأذى. 

 

هنا تتجاوز المسؤولية حدود التربية والأسرة لتفرض وجود إطارٍ قانوني حاسم خصوصاً مع تفاقم ظاهرة التنمّر الإلكتروني. فهي تخرج عن واجهة السخرية العابرة لتتحوّل إلى سلوكٍ عدواني مؤذٍ حين يتكرّر ويستهدف شخصاً بعينه بشكلٍ مباشر، ممّا يستوجب ردعاً بليغاً لحماية الضحايا. 

وتعتبر حماية الأفراد بموجب القانون ومحاسبة المتنمّرين إلى جانب التربية والتوعية،  الركيزتين الأساسيتين للحدّ من تفاقم ظاهرة التنمر. 

 

في ما خصّ الصحة النفسية، ترى كوسا أنَّها "ليست قضية موسمية ترتبط بشهرٍ معيّن بل مسار دائم عليه أن يترافق مع نقاشاتنا اليومية"، مؤكّدةً أنَّ "المشكلة تكمن في استهانة المجتمع بها مقارنةً بالصحة الجسدية بينما الحلّ يكمن في معاملتهما بالمثل وبالأهمية ذاتها". 

 

 

كسر الصمت ومسؤولية التوعية المجتمعية 

 

وعن واقع المرأة اللّبنانية والعربية، تُشدّد كوسا على أنَّ “الصمت لا يُضمّد الجروح ولا يُخفّف ثقل المعاناة، فالتعبير الصريح عن الوجع يُمثّل الخطوة الأولى لتفريغ العبء النفسي. فالمرأة التي تُكافح لتبدو قوية دائماً وتتحمّل أعباء الأسرة، العمل، البيت ونفسها في آنٍ واحد، ليست مجبرة على حمل كلّ هذه الضغوط بمفردها ومن حقّها الكامل أن تأخذ استراحة وتطلب الدعم".

 

وتلفت كذلك إلى "أهمية الإعداد النفسي للّواتي يعتلينَ المسرح في مسابقات الجمال، إذ لا يكفي الاهتمام بالمظهر والجاهزية الجسدية بل يتطلّب الأمر عملاً عميقاً على النمط الفكري، المشاعر، السلوك والصورة الذهنية التي تحملنها عن ذواتهنّ". 

 

حتى بعد التتويج والفوز، لا يتلاشى الضغط بل تبدأ سنة كاملة حافلة بالمسؤوليات، التنقّلات والتمثيل الرسمي، ما يجعل الدعم النفسي ضرورةً حيوية لا غنى عنها بالتوازي مع التكاتف الأسري ومؤازرة الأصدقاء والجهة المنظّمة.

 

وفي إطار المبادرات الميدانية، تُشارك كوسا في جلساتٍ توعوية تجمع شباباً من مختلف الخلفيات لتقديم التثقيف النفسي والمساندة وفق أُسسٍ علمية. وتستهدف هذه اللّقاءات تشجيعهم على طلب المساعدة ورصد العلامات والإشارات التحذيرية المبكرة للضغط النفسي.

كما تُواصل نشاطها عبر الحملات الميدانية ومنصات التواصل الاجتماعي بالتعاون مع منظّماتٍ متخصّصة في الصحة النفسية، حقوق الطفل وسوء التغذية. فالصحة النفسية بالنسبة إليها "لا تقتصر على غياب الاضطرابات فحسب بل هي المحرّك الأساسي للقوّة، المرونة، الإنتاجية والقدرة على التخطيط وتحقيق الأحلام".

 

من هذا المنطلق، تُوجّه "دعوةً صادقة الى شباب لبنان والعالم العربي للاعتناء بصحتهم النفسية، تبادل الاحتواء، الاستفادة من الموارد والخدمات المجانية التي تُوفّرها وزارة الصحة إلى جانب المشاركة الفعّالة في جلسات التوعية المتاحة لهم".

 

 

طلب المساعدة ليس ضعفاً (Pexels)
طلب المساعدة ليس ضعفاً (Pexels)

 

 

لم تعد القضية وجهة نظر معلّقة، فالواقع تفرضه الأرقام الصادمة: نساء يقعنَ تحت أعباءٍ لا تُطاق ومعدّلات انتحار مرعبة فتكت بالشباب والعمال الأجانب.

 

إنَّ أرواح الناس وحياتهم خطٌّ أحمر لا يحتمل المساومة ولا الالتفاف، فالتغيير الحقيقي لن يتحقّق بالشعارات إنَّما بموقف حاسم من الدولة والجمعيات الأهلية لتأمين عدد أكبر من المراكز المتخصّصة والتغطية العلاجية المجانية التي تطاول الجميع.

 

إصلاح الواقع من جذوره طريق طويل، والسرّ ليس في إنكار الألم بل في كيفية التعبير عنه ومواجهته، فنحن بالمواجهة  وعدم الخضوع ننتزع ثقله عن كاهلنا. 

الأكثر قراءة

ثقافة 10/9/2026 5:11:00 AM
لا سبيل إلى إنقاذ الموقوف في معمل البصل إلا بالوصول إليه قبل الإنطلاق به إلى دمشق
دوليات 10/9/2026 9:02:00 PM
بيانات أولية تشير إلى زلزال بقوة 8 درجات في بنما وتهديد محتمل بتسونامي، فيما يرتبط تولّد هذه الأمواج بموقع الهزة وعمقها وحركة قاع البحر.
الولايات المتحدة 10/9/2026 10:43:00 PM
عيّن ترامب كاتي زكاريا متحدثة باسم البيت الأبيض خلفاً لكارولين ليفيت. وهي معلّقة سياسية محافظة ومتحدثة سابقة باسم وزارة الأمن الداخلي.
لبنان 10/9/2026 1:31:00 PM
عُثر على عبد الله كرامي، صهر الرئيس الراحل عمر كرامي، جثة مصابة بطلق ناري داخل مكتبه في طرابلس.