أين ينتهي الحبّ ويبدأ الأذى؟ عن الـRed Flags التي نتغاضى عنها
"كثر الحديث عن التي أهواها... هي أجمل من كل جميلة". من يعرف قصة هذه الأغنية للشاعر كريم العراقي؟
تقول الحكاية إن العراقي، بعد جولة جمعته بكاظم الساهر في لبنان، أخبره عن أغنية أراد أن يغنيها في افتتاح مهرجان بابل الدولي، لكنها لم ترق كاظم. بقي العراقي في الفندق، وجلس أمام السماء والبحر وكتب أغنية تبدو، لوهلة، أنها لحبيبة، قبل أن تكشف في نهايتها أنها لمدينة بغداد.
مدننا وأوطاننا وخلّاننا وأهلنا وشركاؤنا في الحياة... الحب واحد، وربما عذاباته واحدة.
يحكى كثيراً عن الـRed Flags في العلاقات، أي العلامات التي تخبرنا بأنّ في الحبّ شيئاً ليس على ما يرام. لكن الحبّ نفسه ليس علاقة مثالية، لا مع إنسان ولا مع وطن. ماذا لو وقفتَ تحمل علم لبنان وتهتف "راجع يتعمّر لبنان"، فيما الخراب يمتدّ أمامك؟ ماذا لو اخترنا أن نمضي ساعات عمرنا مع من نحب، وإن كان وقوفنا معه على جمرٍ متّقد؟
لكن أين ينتهي الحب، ويبدأ الأذى؟ وأين يصبح ما نتغاضى عنه علامة حمراء لا ينبغي لنا تجاهلها؟
الـRed Flags في العلاقات: ماذا تعني من منظور نفسي؟
في حديث لـ"النهار" تفتتح آية مهنا، معالجة نفسية، حديثها بالتأكيد أن الـRed Flag ليس تشخيصاً نفسياً، وليس مصطلحاً علمياً له لائحة رسمية من الأعراض: "تاريخياً، هي إشارة تحذير من خطر. وقد أصبح المصطلح شائعاً جداً في السنوات الأخيرة، خصوصاً مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ومحتوى العلاقات. في العلاقات، نستخدم المصطلح اليوم للإشارة إلى سلوك أو نمط يعطينا إشارة إلى ضرورة الانتباه، لأنه قد يكون مؤشراً إلى مشكلة تتعلق بالأمان، أو الاحترام، أو الحدود، أو بطريقة استخدام القوة والسيطرة داخل العلاقة".
وتنتقد غياب الدقة، إذ تُظهر الأبحاث الحديثة حول خطاب العلاقات على وسائل التواصل الاجتماعي أن المصطلح أصبح يُستخدم أحياناً بصورة أوسع بكثير من معناه الأصلي، لدرجة أن أيّ تصرّف لا يعجبنا قد يُصنَّف على أنه علامة تحذيرية؛ وترى أن هذه العلامات يجب أن تكون دعوة إلى الانتباه والفهم، لا حكماً فورياً على الشخص أو العلاقة.

أبرز الـRed Flags في بداية العلاقة
تميّز مهنا بين الأمور التي لا تناسب الشخص وبين السلوك المقلق، وتجد أن من الأمور التي ينبغي أن نأخذها على محمل الجدّ:
- محاولات السيطرة
- الغيرة الشديدة والمراقبة
- عزل الشخص عن أصدقائه أو عائلته
- إهانته أو تحقيره، وتخويفه
- الضغط عليه جنسياً أو عاطفياً
- عدم احترام كلمة "لا" أو حدوده
- التلاعب المتكرر بإدراكه للواقع أو تحميله دائماً مسؤولية كلّ شيء
أما السيطرة القسرية تحديداً، فمن الأفضل فهمها كنمط متكرّر ومتراكم، لا كحادثة منفصلة، أو تشدّد.
وتلفت إلى أهمية مراقبة كيف يتصرف الشخص عندما يحدث خلاف: "هل يستطيع أن يستمع؟ هل يعترف بخطئه؟ هل يحترم حدود الطرف الآخر أم يتحوّل كل خلاف إلى عقاب أو تهديد أو إذلال أو خوف؟".
هل الخطأ الواحد يُعدّ Red Flag في العلاقة؟
تتحفظ مهنا على ثقافة الـRed Flags على وسائل التواصل الاجتماعي.
"جميعنا قد نخطئ، أو نشعر بالغيرة، أو نقول كلاماً جارحاً، أو نتصرّف بطريقة دفاعية، أو نسيء فهم موقف ما. وإذا أصبح كلّ خطأ علامة تحذيرية، فلن يعود هناك مجال أصلاً لعلاقة بين شخصين حقيقيين. الأهمّ هو السياق، وشدّة السلوك، وتكراره، وتأثيره في الشخص الآخر. والأهم أيضاً ما الذي يحدث بعد الخطأ: هل يستطيع الشخص أن يرى أثر تصرفه، فيعتذر، ثم يغيّر سلوكه، أم ينكر، ويبرر، ويلقي المسؤولية على الطرف الآخر، ثم يعود إلى تكرار السلوك نفسه؟"، تقول مهنا.
لكنها لا تنفي وجود استثناءات: "قد يكون هناك سلوك واحد خطير بما يكفي بحدّ ذاته، مثل العنف الجسدي، أو التهديد الجدّي، أو الاعتداء الجنسي، أو الانتهاك الواضح للأمان. في هذه الحالات، لا ينبغي أن نقول للشخص: انتظر لنرى إن كان السلوك سيتكرر، حتى نأخذه على محمل الجدّ".
متى تتحوّل الخلافات إلى علاقة مؤذية نفسياً؟
ليس كل خلاف يعني أن العلاقة مؤذية، فمن الطبيعي جداً ألا تخلو أيّ علاقة حميمة من الخلافات، والزعل، وسوء الفهم، والفترات الصعبة. ولكن السؤال بالنسبة إلى مهنا ليس فقط "كم نتشاجر؟" بل "ماذا يحدث لنا عندما نتشاجر؟".
"في العلاقة التي تواجه صعوبات لكنها لا تزال سليمة، تبقى هناك مساحة للاختلاف، وللتعبير، والاعتذار والإصلاح، ولا يُفترض أن يخسر الشخص إحساسه بالأمان أو بذاته حتى يحافظ على العلاقة.
أما في العلاقة المؤذية، فنبدأ برؤية نمط متكرر من السيطرة، والإذلال، والتخويف، والتلاعب، والعقاب، أو انتهاك الحدود. وقد يبدأ الشخص بتعديل سلوكه باستمرار حتى لا "يُغضب" الطرف الآخر، أو يشك في نفسه وفي إدراكه، أو يخاف من ردود فعله، أو يشعر بأن مساحته وحرّيته تضيقان شيئاً فشيئاً.
هنا لم نعد نتحدّث فقط عن "شريكين يتشاجران"، بل عن دينامية تؤذي الشخص نفسياً"، تضيف مهنا.

لماذا لا نرى الـRed Flags في علاقاتنا؟
تجيب مهنا بأننا في علاقة الآخرين نكون خارج القصة. نرى السلوك من دون أن نعيش كلّ ما يرتبط به: الحب، والتعلّق، والذكريات، والأمل، والخوف من الخسارة، والاستثمار الذي وضعناه في العلاقة. ومن داخل العلاقة، لا تتغيّر الأمور عادةً دفعة واحدة. قد تتحرك الحدود شيئاً فشيئاً، فنعتاد على أمور لم نكن نقبلها في البداية. وقد نجد تفسيرات للشخص الذي نحبّه: "هو مضغوط"، "لم يقصد ذلك"، "هذه الفترة صعبة". وأحياناً تكون هذه التفسيرات صحيحة فعلاً. المشكلة تبدأ عندما نستمر في استخدامها حتى لا نكاد نرى النمط.
وتختم: "لا أحبّ فكرة أن معرفة قائمة بالـRed Flags تجعلنا محصّنين تلقائياً. المعرفة تساعد، لكن العلاقات العاطفية ليست قائمة تحقق. أحياناً نعرف نظرياً تماماً ما هو السلوك المؤذي، ومع ذلك يكون من الأصعب علينا أن نسمّيه حين يصدر عن شخص نحبّه".
برأيي، إن من يحبّ يُصاب بعمى الألوان، فربما هذا بعض ما يفعله الحبّ بنا: نختار أن نرى الجميل في من نحبّ. غالباً ما نجد في الشريك ما اخترنا، بملء عقولنا وقلوبنا.
هناك شركاء يجعلون الأمر سهلاً. يكون الجميل فيهم طافياً على السطح. وهناك من يستدعي اكتشاف الجميل فيهم جهداً أكبر، بعض الغوص، وربما بعض الإنكار وإشاحة النظر عن أشياء لا نريد أن نراها. لكن حين يكثر الغوص، ويكثر الإنكار، وتصبح إزاحة النظر عادة، فربما يجدر بنا أن نركن قليلاً إلى الضوء الأصفر، ونسأل أنفسنا: لماذا أصبحت هذه العلاقة صعبة إلى هذه الدرجة؟
الحب خيار أن تختار من تحبّ كل يوم. لكن، هل يجب أن يكون من نحبّ قدّيساً لنحبّه؟
نبض