بعد اللحظات المؤثرة في زفاف دانا الحلاني... ما أسرار العلاقة التي تربط الأب بابنته؟
شهد زفاف دانا الحلاني لحظات مؤثرة كتلك التي جمعتها بوالدها عاصي الحلاني عندما ظهر وهو يبكي مودعاً ابنته، وحتى فيما كان يقدم لها أغنية أعدت خصوصاً ليوم زفاف من وصفها بصغيرة البيت وفرحته. تلك اللحظات المميزة سلّطت الأضواء عليها على وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، معيدة إلى الأذهان أسرار تلك العلاقة التي تجمع بين الأب وابنته، وتلك الأحاسيس التي تخالج كلاً منهما تجاه الآخر، خصوصاً في مناسبة كهذه عندما يأتي الأب ليسلم ابنته التي لطالما اعتبرها أميرته الصغيرة، إلى عريسها. عن أسرار تلك العلاقة تحدثت الاختصاصية في علم النفس الدكتورة كارول سعادة مشيرةً إلى أنها علاقة خاصة تبدأ من الطفولة وتنمو أكثر فأكثر مع مرور الوقت.

كيف يمكن وصف العلاقة التي تربط بين الأب وابنته وصولاً إلى مرحلة الزفاف؟
يعتبر زفاف الأبناء عامةً مرحلة انتقالية نفسياً على الأهل بعد نمو رافقوه في مختلف مراحل الحياة. هي مرحلة مفعمة بالمشاعر، خصوصاً في ما يتعلق بالابنة وما يتركه انتقالها إلى منزل زوجها من أثر في نفس والدها، بحسب سعادة. ويشكل ذلك تغييراً كبيراً في حياتهما، وخاصةً في دور الأب وهو دور الرجل الوحيد في حياتها حتى يوم زفافها. ومع زواجها، هي لم تجد الشريك فحسب، بل وجدت الرجل الذي سيأخذ الكثير من الأدوار التي لعبها الأب من حماية وعاطفة. وهنا يشعر الأب بأحاسيس كثيرة متداخلة من فرح واعتزاز وسعادة بزواج ابنته، لكن في الوقت نفسه تحمل هذه المناسبة الكثير من الحنين إلى الماضي وإلى طفولتها، مع ذكريات يستعيدها عندما كانت صغيرة وما كانت طبيعة علاقته بها. كما أنه يشعر في هذه المناسبة بالخوف على ابنته وعلى مستقبلها وبالقلق من أي أن يحصل ما يزعجها أو يسبب لها الحزن. يكون هناك شعور غامض جداً من الفقد والفراغ الذي يتركه هذا البعد الذي يحصل، وهذا البعد لا يرتبط بالمسافة إلى منزلها بل هو عبارة عن بعد معنوي ونفسي له علاقة بخسارة جزء من البيت الذي يشكل المأوى الذي كان الأب مسؤولاً عن حمايته وإدارته. فحتى إذا كانت العلاقة مع الابنة تستمر ويستمر وجودها في المنزل، إلا أن طبيعة وجودها تختلف، وهذا ما يشكل صعوبة كبيرة على الأهل حتى يتأقلموا مع هذا التغيير ويتقبلوا هذا الشعور الغامض بالفقدان. حتى أن الأب لا يدرك فعلاً في المرحلة الأولى، بحسب سعاد’، ما ستكون عليه طبيعة دوره في المستقبل بعدما لعب دور السند والرجل الوحيد في حياة ابنته.

ما مشاعر الأب خلال زفاف ابنته؟
من الطبيعي أن يتأثر الأب في زفاف ابنته لأنه يرى أمامه امرأة بالغة وسعيدة، لكنه في الوقت نفسه يرى في عينيها الطفلة التي كانت تركض إليه وتجلس في حضنه وتبحث عن مساندته في كل ظرف تعيشه. هذه الصور يستعيدها الأب وكأن كل الحياة تصبح حاضرة بكل ما يتخللها من مشاهد، في هذه اللحظات القصيرة التي يرى فيها ابنته عروساً. يستعيد كل الذكريات والأفكار لتولّد لديه مشاعر لها علاقة أيضاً بمرور الزمن حتى تلك اللحظة وكأنه لا يكون حاضراً بعد ليمر الزمن بهذه السرعة ويشهد على هذه اللحظة التي يرى فيه ابنته بالغة وعروساً. فبحسب سعاده يذكر زواج الأبناء عادة الأهل بمرور الزمن السريع لأن دورهما يكون قد انتهى، ما يشعرهما بالنقص والضياع. بالتالي تعتبر كل مشاعر الحنين والتأثر والبكاء طبيعية، لكن هنا تطرح سعاده سؤالاً حول ما يفعله الأب بهذه المشاعر: هل هو يفتح المجال للابنة للانطلاق في حياتها؟ أم أنه بطريقة لا واعية تتحوّل هي إلى مسؤولة عن مشاعره، ما يولّد لديها إحساساً بالذنب وكأنها بهذه الخطوة تقوم بما يشبه الخيانة لحبه مع ابتعاده عنه؟
تختلف الأمور هنا بحسب طريقة الأب في التعامل مع هذا التغيير وما إذا كان يفسح المجال لهذه العائلة الجديدة للانطلاق في حياته ولا تشعر بأي إحساس بالذنب.
لكن سعادة تشدد على مسألة في غاية الأهمية وترتبط بالتعبير المعتمد بأن الأب يسلّم ابنته إلى عريسها في يوم زفافها، وهذا ما يتطلب مراجعة نفسية لأن في الواقع الأب لا يسلّم ابنته ولا يتخلّى عنها. لكن لاستخدام هذه العبارة الكثير من الاذى النفسي للأب وكأنه يعطي ابنته إلى رجل آخر، فيما من المفترض أن تكون كل الأدوار واضحة لكل من هؤلاء الأشخاص ولا يمكن لأي منهم أن يأخذ مكان الآخر من الناحية العاطفية في الحياة بالنسبة للآخر.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه في نظرية التحليل النفسي هناك عقدة أوديب التي لم يتم تخطيها في الطفولة، وتكون الأمور أكثر تعقيداً، سواء في مشاعر الابنة تجاه والدها أم في مشاعر الأب تجاه ابنته.
كيف يمكن وصف مشاعر الابنة تجاه والدها؟
يختلف الوضع بالنسبة إلى الابنة بحسب ما إذا كانت قد عاشت حياة صحية وجميلة مفعمة بالعاطفة والحماية مع والدها، ففي مثل هذه الحالة من الطبيعي أن تشعر بكثير من الامتنان والتأثر وفقدان للشعور بالأمان عند مغادرة منزل أهلها. أما في الظروف المعاكسة التي تكون فيها حياتها مع أهلها صعبة وقاسية، فقد تتأثر لانقضاء الفترة التي كانت فيها مع أهلها ولعدم استفادتها منها لتحصل على صورة الأب أو الأم المثالية التي كانت تتمنى لو كانت موجودة كمصدر للأمان.
كيف يجب أن يتعاطى الأب مع هذه المرحلة الجديدة في علاقته بابنته؟
من المهم أن يقول الأب لنفسه إنه قام بدوره في تربية ابنته تربيةً أمثل لتتمكن من القيام باختيارات سليمة وإيجابية وتنظلق في حياتها. لذلك، من المهم أن يفخر بالدور الذي لعبه بنجاح بدلاً من أن يشعر بأن ابنته تتركه بعد كل ما فعله من أجلها رغم تعلقه الشديد بها. وهنا تشدد سعادة على أهمية التركيز على التربية السليمة التي تشترط تربية الأطفال ليكونوا مستقلين في حياتهم حتى ينطلقوا في حياتهم في الوقت المناسب ويقوموا بالاختيارات المناسبة. وعندها يكون الأهل قد نجحوا في أداء دورهم.
نبض