بيروت تحت القصف: قراءة نفسية في صدمة جماعية يعيشها الشعب اللبناني
في 8 نيسان/ أبريل 2026، لم يكن صوت القصف مجرّد خبر يُتداول في "الأربعاء الدموي". كان لحظة انكسار في إيقاع بيروت، المدينة التي اعتادت أن تتلقى الضربة لا بوصفها حدثاً قابلاً للتحليل، بل كاختبارٍ حسّي يعبر الجسد قبل أن يصل إلى اللغة. في بيروت، لا نسأل ماذا حدث؟ بل ماذا يحدث لي الآن؟
اللحظة الأولى بعد القصف: الجسد يسبق المعنى
في الثواني الأولى، يتقدّم الجسد ويتأخر العقل. لا مكان للمنطق بقدر ما هناك اندفاع بيولوجي غريزي، هناك من يتجمّد كأن الزمن انقطع، من يركض بلا اتجاه ومن يبحث فوراً عن صوت مألوف يطمئن إلى أن العالم لم ينهَر بالكامل.
في هذا السياق، تشرح الأخصائية النفسية آن ماري يونس: "يدخل الجهاز العصبي في حالة تأهّب مستمرة، حيث يستجيب الجسد للخطر قبل أن يتمكّن العقل من تفسير ما يحدث".

ليس صوت القصف حدثاً عابراً، بل اقتحام كامل للجهاز العصبي. تجربة يُختبر فيها الخطر قبل فهمه. وهنا تلفت يونس إلى أنّ "الإنسان لا يحتاج دائماً إلى التعرّض المباشر للخطر كي يشعر بالتهديد، يكفي أن يعيش في بيئة يسودها عدم اليقين".

الساعة الأولى بعد القصف: فوضى تبدو منظّمة
ما يبدو فوضى في الدقائق التالية، يخفي إيقاعاً جماعياً غير مرئي. الأيدي تمتد نحو الهواتف في وقت واحد، الشبكات تختنق والأصوات تتداخل. الاتصال هنا ليس تفصيلاً، بل حاجة وجودية وأن نعرف أن الآخرين ما زالوا هنا.
تقول يونس: "الخوف لا ينتقل فقط عبر الأحداث المباشرة، بل أيضاً عبر الأخبار، القصص، العلاقات وحتى الرسائل التي تبدأ بالسؤال: هل أنتم بخير؟"
وتضيف: "في مثل هذه الأوقات، قد يظهر التشتّت، أو القلق، أو حتى الانسحاب كجزء من استجابة إنسانية متوقعة للتهديد وعدم اليقين".

ما بعد القصف: الصدمة تسكن الداخل
حين تهدأ الأصوات في الخارج، لا ينتهي الحدث. يتحوّل إلى صدى داخلي، من يقظة مفرطة، ذاكرة نشطة، وجسد لا ينسى بسهولة.
توضح يونس في إطار متّصل: "ما يمرّ به اللبنانيون اليوم لا يرتبط فقط بالحاضر، بل يتقاطع مع ذاكرة جماعية طويلة من الحروب والأزمات".
في المقابل، يختبر البعض فراغاً مبهماً، بلا خوف واضح أو حزن محدّد. وهنا تشير إلى أنّ "كثيراً من هذه الاستجابات، مثل الحزن أو التشتت أو الإرهاق النفسي، قد تكون جزءاً من استجابة إنسانية طبيعية وليست بالضرورة اضطراباً نفسياً".

أما الأطفال، فيلتقطون ما لا يُقال، مثل التوتر في النبرة، الارتباك في النظرات واختلال الروتين. وتلفت يونس "قد يشعر الأطفال والمراهقون بقلق شديد حتى من دون تعرّض مباشر للخطر، لأنهم يعيشون ضمن بيئة تحمل ذاكرة طويلة من التوتر وعدم الاستقرار".
وفي سياق أوسع، تحذّر من تراكم الأزمات: "عندما تتراكم الأزمات من دون فترات كافية للتعافي، يصبح المجتمع أكثر هشاشة نفسياً وأكثر عرضة للقلق الجماعي".

ردّات الفعل بعد القصف: تناقضات تحت الضغط
في قلب الصدمة، تظهر ردّات فعل متناقضة، هناك من يضحك فوق الألم، من يوثّق الحدث بدل الهروب ومن يشعر بالذنب لأنه نجا.
تضع يونس هذه التناقضات في إطارها النفسي وتشرح بالقول: "هذه التناقضات قد تكون محاولات نفسية للتكيّف مع ضغط يفوق القدرة على الاستيعاب".
وفي المقابل، هناك صمتٌ كبير، ليس غياباً للكلام بل امتلاءً بما يعجز عن التعبير، تقول يونس في هذا الإطار: "المشاعر التي لا يُعترف بها لا تختفي، بل قد تتحوّل إلى أعراض جسدية أو انسحاب أو انفجارات انفعالية".
من هنا تتكوّن الصدمة الجماعية، إذ تُشير يونس: "نحن لا نعيش فقط لحظة خوف، بل نعيش استدعاءً لسلسلة من التجارب المؤلمة وتراكماً لصدمات لم تلتئم بالكامل".

كيف تشفى مدينة وجسدها لا يزال يتذكّر؟
في بيروت، لا تُعاش الصدمة كحدثٍ منفصل، بل كطبقة جديدة تُضاف إلى ذاكرة مثقلة.
وعن الحداد النفسي الذي يعتبرمرحلة ضرورية للتعافي لا بل حقّ، تقول يونس: " الحداد لا يقتصر على فقدان الأشخاص، بل يمتدّ ليشمل خسارات أوسع وأكثر تعقيداً تطال تفاصيل الحياة اليومية".
وتوضح أنّه "في أوقات الأزمات الوطنية، لا يكون الحداد فقط على من فقدناهم بالموت بل على الخسارة بالمجمل. على خسارة الأمان، على البيوت التي لم تعد تُشبه بيوتنا، على المدن حين تتغير ملامحها، على طفولة الأبناء حين تتلوّث بالخوف، وعلى النسخة السابقة من أنفسنا".
وتلفت إلى أنّ هذا النوع من الحداد، رغم كونه غير مرئي في كثير من الأحيان، يبقى عميق الأثر، مضيفةً "أنّه حقيقي جداً".
وفي الختام، تشدّد يونس على أهمية الاعتراف بالمشاعر ومنحها حيّزاً للتعبير، معتبرةً أنّ "من الضروري أن نمنح أنفسنا، وأهلنا، وأطفالنا، حق الحزن".
نبض