"سنقتل ترامب"... ماذا وراء لغة الدم في المنشورات الرقمية الإيرانية؟
"ما ترامپ را خواهیم کشت". هذا الإعلان الذي ينتشر في وسائل التواصل الاجتماعي باللغة الفارسية يعني "سنقتل ترامب". والرسالة وصلت أيضاً بالإنكليزية، لإفهام من لا يتقنون الفارسية. وتمّ تأكيدها من خلال صور لأعلام حمراء وجداريات وُسمت بتلك العبارة المشحونة بلغة الدم.
فمع استمرار المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، تتصاعد بالتوازي معركة أخرى على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتنافس الأطراف على كسب الرأي العام، وبناء السردية، والتأثير في الخصم قبل إطلاق أي رصاصة، وصولاً إلى محاولة اغتياله رمزياً في الفضاء الرقمي.
"أي مسلم يقتل ترامب سينال أجراً عظيماً"
قبل الساحات الرقمية، انطلقت رسالة "قتل ترامب" من الشارع الإيراني، من خلال أعلام ولافتات انتشرت وسط الناس، خلال مراسم تشييع المرشد الاعلى الراحل علي خامنئي في الأسبوع الأول من تموز. ووثقتها حسابات في وسائل التواصل ومواقع اخبارية. وفي الميادين الرقمية، أرفقتها حسابات عديدة بشعار "ما ترامپ را خواهیم کشت"، كموقف مؤيد.



وتعزّزت شعارات الانتقام والتهديد بقتل ترامب بتوجيه من الحرس الثوري الايراني، خلال مراسم تشييع خامنئي. وذكر تقرير لـ"النهار" من طهران، أن أسبوع التشييع شهد حضوراً واسعاً لشعارات دعت إلى "الثأر" لخامنئي، ورفعت خلاله أعداد كبيرة من الأعلام التي حملت عبارة "يا لثارات خامنئي"، وفقاً لتقرير لـ"النهار". ومع انتهاء المراسم، انتقلت هذه الشعارات من الساحات إلى المشهد السياسي الداخلي.
وتوّج ذلك الأسبوع برسالة وجهها المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، الجمعة 10 تموز، أكد فيها أنّ الثأر لدماء والده وسلفه علي خامنئي، "حاصل لا محالة". وقال مجتبى الذي لم يظهر إلى العلن منذ اندلاع الحرب، وغاب عن جنازة والده: "نقطع عهدا بأن نأخذ بثأر دمك الطاهر (...) هذا الثأر هو إرادة أمتنا، وهو حاصل لا محالة".
رسالة مجتبى خامنئي تعمّق الانقسام في إيران... الانتقام أم التفاوض؟
وبدفع من رسالة مجتبى خامنئي تلك، تصاعدت حملة "قتل ترامب" بعد انتهاء مراسم التشييع. ودعت حسابات، لا سيما بهويات مبهمة، إلى تحويلها "ترند" في الفضاء الرقمي. وتناقلها عدد منها مع وسم "یا لثارات الخامنه ای"، أي إرث خامنئي، وأقرنته ببعضها بـ"قسم بدم خامنئي، قتل ترامب يقع على عاتقنا". ووفقاً لما يتبين، فإن مقر هذه الحسابات، لا سيما في اكس، حُدّد في ايران وغرب آسيا واوروبا والولايات المتحدة.




واكتسب هذا التهديد زخماً إضافياً مع رفع جداريات كبيرة في ساحات رئيسية في ايران أخيراً تضمنت تهديدات صريحة بالقتل، وذلك بعد أيام من موت السيناتور الأميركي المتشدّد ضد إيران وروسيا والمقرّب من ترامب ليندسي غراهام.
بالصور- تهديدات إيرانية خطيرة لاغتيال ترامب!
في جدارية رُفعت في طهران، بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب في نعش، مع عبارة "سنقتل ترامب"، مكتوبة بالفارسية. وهذه الجدارية حملت تهديداً مباشراً بالقتل ضد الرئيس الأميركي. ويظهر في جدارية أخرى البيت الأبيض محترقاً، وترامب وأفراد عائلته في توابيت، إلى جانب عبارة "الدم بالدم" مكتوبة بالفارسية.
هذه الجداريات التي تعكس تصعيداً في الخطاب المعادي للولايات المتحدة ورئيسها، انتقلت بدورها، بسرعة البرق، إلى المشهد الرقمي، مرفقة بشعار "سنقتل ترامب"، لتحتل فيه مساحات عبر حسابات، إخبارية وأخرى عامة، بأسماء شخصية أو وهمية، وتثير تعليقات في الساحات الافتراضية التي باتت تُستَغل، خصوصاً في الصراعات، في صناعة الرأي العام والتأثير في المزاج الشعبي.

إضافة الى التهديد الذي تضمنته هذه الصور، تشاركت حسابات في فتاوى مزعومة لقتل الرئيس الأميركي، وفي جوائز يحصل عليها قاتله. "ترامب مصاص دماء. ودمه يُهدر وفقاً للشريعة الإسلامية، وحياته ليست مقدسة. وأيّ مسلم يقتله في أي مكان في العالم سينال أجراً عظيماً، وسيُعتبر مقاتلاً في سبيل الله"، كتب أحد الحسابات.
كيف يُقرأ انتشار تلك الصور والجداريات في الساحات الإيرانية، والفضاء الرقمي؟
يقول الكاتب والمحلل السياسي جورج عيسى إن "هذه الجداريات الإيرانية الحديثة التي دعت إلى اغتيال ترامب تصعيد إضافي للحرب الدعائية. لكن هذه الجداريات موجّهة إلى الداخل والخارج معاً. فهي تقول للإيرانيين إن القادة في طهران قادرون على اغتيال أهم شخصية سياسية حول العالم، تماماً كما أن هذه الشخصية اغتالت كبار قادتهم. وفي الوقت عينه، تمثّل هذه الجداريات رسالة ضغط نفسي على الرئيس الأميركي دونالد ترامب".
ويضيف: "نظرياً، تبقى هذه الجداريات مصدر "تنفيس" للاحتقان بين القادة الإيرانيين أكثر مما هي تهديد جدي. إذا كانت إيران قادرة على تنفيذ الاغتيال، فهي لن ترسل مؤشرات مسبقة بهذا الشأن، على الأقل، ليس في توقيت متزامن. ثانياً، من غير المرجّح أن تعمد إيران إلى اتخاذ هذا الخيار، لأن العواقب ستكون مدمّرة. إذا كان هناك انقسام حزبيّ أميركي تجاه الحرب على إيران، فستشكّل أي عملية اغتيال أو محاولة اغتيال بحق ترامب، نهاية لهذا الانقسام. كذلك، إذا صمد النظام الإيراني من الحرب الماضية، فما من دليل أكيد على أنه سينجو من عملية انتقامية أميركية واسعة".
لهذه الأسباب وسواها، يرجّح عيسى أن تبقى هذه الجداريات في إطار الضغط النفسي. "بطبيعة الحال، قد تكون للأجهزة الأمنية الأميركية أدلتها التي تنفي هذه النظرية. الأكيد من وجهة نظر إعلامية أنّ إيران تجيد الاستفادة من منطقة الغموض".
ويتوقف عند التكهنات التي سبق أن انتشرت حول ما إذا كانت روسيا تقف خلف وفاة السيناتور المقرب من ترامب ليندسي غراهام. وقد استبعدت نتائج التشريح الأولية ذلك. ويقول: "لكن التكهنات والشائعات لا تموت بسرعة. لذلك، نرى في إحدى الجداريات الإيرانية مثلاً سؤالاً بالإنكليزية مع بعض التلاعب حول من هو التالي Who is D nex T one، مع تكبير لحرفي د. و ت، للإشارة إلى اسم الرئيس الأميركي. نلاحظ هنا أنّ إيران لا تتبنّى أنها اغتالت غراهام، لكنها تستغل الغموض الذي يثار حول القضية لتظهر بمظهر "العارِف" بمستقبل القادة الأميركيين، إما كدولة "ترسم" مصيرهم، وإما "تتنبأ به". وفي هذا التلميح قوة مؤثرة".
في رأي عيسى، يمكن تصنيف ما تقوم به إيران ضمن مصطلح "الواقع المضخّم" (Hyperreality)، الذي طوّره الفيلسوف الفرنسي جان بودريار، حيث يختفي التمييز بين الواقع والمحاكاة، أو حيث يبدو التهديد بالقتل، ضمن الأدوات الدعائية، أكثر واقعيّة من الواقع نفسه".
عندما تكافئ الخوارزميات
أياً يكن، فإن المنشورات في وسائل التواصل المؤيدة لقتل ترامب أو التي تمجّد الانتقام منه تحقّق، على ما يبدو، أهدافاً عدة في وقت واحد: فهي تحافظ على خطاب الثأر المرتبط باغتيال زعماء وقادة إيرانيين، وتقدّم صورة للثبات في مواجهة الخصم بما يساعد على تعبئة الشعب، وترفع مستوى الضغط النفسي على الخصم، وتفرض أجندة تدفع وسائل الإعلام إلى تداولها.
في الصراعات، قد يحقق التأثير النفسي نتائج لا تقلّ أهمية عن الضربات العسكرية. فالمنشور الذي يحصد ملايين المشاهدات قد يغير الانطباعات، ويؤثر في المناقشة السياسية والعامة، والرسائل الحادة قد تدفع الخوارزميات إلى منحها انتشاراً أوسع بسبب ارتفاع معدلات التفاعل، وهو ما يحوّل المنصات إلى مضاعف للقوة الإعلامية.
لذلك، تُعتَبر مواصلة بث رسالة التهديد والترويج لها، وضمان بقائها حاضرة في المناقشة الرقمية العامة، وإن كان عبر حسابات بهويات غير معروفة، من ضرورات الحرب النفسية. فالصراع بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد يقتصر على السيطرة على الأرض، بل يمتد إلى توجيه الرأي العام. وكل شعار أو صورة أو فيديو أو وسم متداول أصبح جزءاً من معركة أوسع تُخاض على الشاشات بقدر ما تُخاض على الأرض.
ففي الحروب الحديثة، لا تنتشر الرسائل الأكثر صخباً فحسب، إنما أيضاً تلك تلك التي تجيد مخاطبة الخوارزميات. وحين تكافئ الخوارزميات المحتوى المثير للجدل، يصبح انتشار الشعارات الحادة جزءاً من معركة التأثير في الوعي، لا مجرد تفاعل عابر على منصات التواصل الاجتماعي.
نبض