ما حقيقة منح البابا لاوون السفير الإيراني لدى الفاتيكان أعلى وسام ديبلوماسي فخري؟ النهار تدقق FactCheck
نشرت وكالات انباء ومواقع اخبارية ايرانية خبراً عن "منح البابا لاوون الرابع عشر السفير الايراني لدى الفاتيكان محمد حسين مختاري ارفع وسام ديبلوماسي فخري لدى الفاتيكان"، الامر الذي أثار ضجة وردود فعل مختلفة، خصوصاً في ظل المواجهة المتواصلة بين اميركا وايران. وأرفقت خبرها بصورتين للبابا مصافحاً السفير. الا ان ما فات وسائل الاعلام الايرانية ذكره هو ان مختاري لم يكن وحده من تلقى هذا الوسام. فقد منح الكرسي الرسولي الأوسمة 12 سفيراً آخر ممن أتمّوا ما لا يقل عن عامين من الخدمة في منصبهم، وفقاً لما تبيّن. وتغييب هذه المعلومة ضلل كثيرين بشأن خلفية منح هذا الوسام. إضافة الى ذلك، اتضح ان صورة نشرها الاعلام الايراني للبابا ومختاري لا دليل على أصالتها، والأخرى تعود الى 16 ايار 2025، ولها سياق مختلف. FactCheck#
"النّهار" دقّقت من أجلكم
حصد الخبر خلال الساعات الماضية انتشارا واسعا، بعدما وزعته وسائل اعلام ايرانية، واستقطب اهتماما كبيرا، نظرا الى توقيته الحساس في ظل استمرار المواجهة بين الولايات المتحدة وايران، والتي كان للبابا لاوون موقف صريح منها. وجاء في الخبر: "البابا لاوون الرابع عشر يمنح أعلى وسام ديبلوماسي فخري في الفاتيكان لسفير إيران لدى الكرسي الرسولي محمد حسين مختاري".
ونُشرت مع الخبر أربع صور: واحدة للوسام الذي مُنِح مختاري، وثانية لوثيقة رسمية مرفقة به، والثالثة والرابعة للبابا مصافحا مختاري.
حقيقة الخبر
نعم، منح الكرسي الرسولي السفير الايراني وساماً. ولكن ما فات الاعلام الايراني ذكره هو ان هذا الوسام لم يكن له وحده حصراً. وتغييب هذا التفصيل المهم ضلل كثيرين اعتقدوا خطأ ان الكرسي الرسولي ميّز مختاري دون سواه.
والحقيقة مغايرة.
فقد ذكر موقع "أبونا" الكاثوليكي، في منشور في صفحته في الفايسبوك، انه "بعد عامين من الخدمة كممثلين لدى الكرسي الرسولي، تلقّى عدد من السفراء أحد أرفع الأوسمة الديبلوماسية الفاتيكانية. وقد مُنحت الأوسمة التقليدية أمس (الثلاثاء) مجموعة من السفراء المعتمدين لدى الكرسي الرسولي الذين أتمّوا ما لا يقل عن عامين من الخدمة في هذا المنصب".
وقال: "خلال الاحتفال، الذي أُقيم في ذكرى انتخاب البابا، قام المطران باولو روديلّي، وكيل الشؤون العامة في أمانة سرّ الدولة، بتسليم الشارات والوثائق الرسمية إلى 13 ديبلوماسيًا. وقد مُنح السفراء لقب "فارس" أو "سيدة الصليب الأكبر" من وسام بيوس التاسع، وهو من أرفع الأوسمة التي يمنحها الكرسي الرسولي تقديرًا للخدمة الديبلوماسية".
ونشر الموقع صورة جمعت السفراء الذين مُنِحوا الاوسمة، بينهم رجل بعمامة بيضاء.
بدورها، نشرت السفارة الاميركية في الفاتيكان بيانا قالت فيه: "خلافًا لما ورد في تقارير إخبارية، لم يمنح البابا لاوون الثالث عشر سفير إيران لدى الكرسي الرسولي وسامًا خاصًا حصريًا. يُمنح هذا الوسام جميع السفراء المعتمدين لدى الكرسي الرسولي بعد أكثر من عامين من الخدمة، وهو إجراء مُتبع منذ سنوات عديدة. إنه تقدير شخصي، ولا يعني تأييدًا أو معارضةً لأي سياسة أو دولة. وقد مُنح هذا الوسام أخيرا 13 سفيرًا. كذلك ناله جميع سفراء الولايات المتحدة السابقين. وأخيرًا، لم يُسلّم البابا الوسام شخصيًا".
واذا لم يسلم البابا لاوون الأوسمة شخصياً، فماذا عن الصورتين اللتين نشرهما الاعلام الايراني لمصافحته مختاري؟
في الواقع، لم نعثر على دليل يؤكد أصالة الصورة الأولى، ولا اثر لها في وكالات الانباء العالمية والمواقع الاخبارية، لا سيما الفاتيكانية، علما انه يظهر فيها مصورون.
وفي وقت ينحصر نشرها في الاعلام الايراني، عثرنا على نسخة كاملة منها. وقد أمكن ملاحظة مؤشرات فيها الى استخدام الذكاء الاصطناعي: يدان حملتا هاتفا للتصوير من دون ان يكون لهما جسم. اصابع مشوهة، ويد مختاري بدت غير طبيعية.

ويدعم هذا الاستنتاج نتيجة فحص الصورة في مواقع متخصصة بكشف التزييف، مثل Hive Moderation، وجاءت انها منشأة على الارجح بالذكاء الاصطناعي بنسبة 99.9%.
كذلك، توصل تحليل الصورة بواسطة Gemini، نموذج الذكاء الاصطناعي من تطوير شركة غوغل، الى ان "معظمها أو أجزاء كبيرة منها قد تم تعديلها أو إنشاؤها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي من غوغل".
وسجل Gemini "ملاحظات بصرية تدعم ذلك وتظهر غالباً في الصور المولدة آلياً، مثل:
*تشوهات في التفاصيل الدقيقة: إذا نظرتم بتمعن إلى وجوه الأشخاص في الخلفية أو تفاصيل أيدي المصورين، فستجدون بعض التداخل غير المنطقي في الملامح.
*الإضاءة والظلال: تبدو الإضاءة مثالية بشكل مبالغ فيه وتفتقر لبعض التناسق الطبيعي مع زوايا الظل في المكان.
*تشوه في الأجسام المعدنية: تظهر الكاميرات والمعدات التقنية في الصورة بتفاصيل غير دقيقة أو مشوهة هندسياً عند التدقيق فيها.
بالنسبة الى الصورة الثانية، يبيّن البحث العكسي انها قديمة، اذ تعود الى 16 ايار 2025، وفقاً لما ارشفها الموقع الرسمي للكرسي الرسولي ضمن خبر عن استقبال البابا لاوون الرابع عشر يومذاك الديبلوماسيين المعتمدين لدى الفاتيكان، والقائه كلمة امامهم، وذلك في لقائه الاول معهم بعد انتخابه حبراً اعظم في 8 منه.
وفي كلمته يومذاك، أكد البابا التزام الكنيسة الكاثوليكية بمرافقة الأسرة الدولية بروح من الحوار، والانفتاح، وخدمة الخير العام.وشدد على أنّ الديبلوماسية البابوية ليست مجرّد أداة سياسية، بل امتداد حيّ لرسالة الكنيسة الجامعة، التي تسعى إلى الدفاع عن كرامة الإنسان، وتعزيز العدالة والسلام، وتذكير العالم بالحقيقة التي تُحرّر.
ودعا البابا إلى "وضع الإنسان في قلب كل علاقة دولية"، مؤكّداً أنّ السلام لا يُبنى إلا انطلاقاً من القلب، وأنّ العدالة تتطلّب شجاعة الدفاع عن الأضعف، وأنّ الحقيقة تظلّ حجر الزاوية في كل حوار صادق. وقد وجّه الأب الأقدس نداءً قويًّا إلى إحياء روح التعددية، ووقف سباقات التسلّح، وتعزيز قيم التلاقي بدلًا من منطق الصراع والانقسام.
نبض