ارتفاع الوقود يضغط على طيران ناس رغم نمو الإيرادات
مضاعفة أسعار الوقود بعد اندلاع النزاع الإقليمي بين أميركا وإيران في شباط/ فبراير قوّضت جهود الشركة لرفع الأسعار وخفض السعة، فتحولت الأرباح إلى خسائر للربع الثاني على التوالي منذ بداية العام.
سجّلت شركة طيران ناس، أكبر ناقل جوي اقتصادي في السعودية والمدرَجة في السوق الرئيسية "تداول"، صافي خسارة بلغت 241 مليون ريال (نحو 64 مليون دولار) في الربع الثاني من عام 2026، مقابل ربح معدّل قدره 220 مليون ريال في الربع المماثل من عام 2025، على الرغم من ارتفاع الإيرادات 3% إلى 2.2 مليار ريال (587 مليون دولار). ويعكس هذا الانعكاس في النتائج أن الشركة، التي تبنّت استراتيجية تسعير حازمة وتقليص استباقي للسعة لحماية هوامشها، لم تتمكن من تعويض القفزة الحادة في فاتورة الوقود الناتجة عن النزاع الإقليمي بين الولايات المتحدة وإيران الذي اندلع أواخر فبراير الماضي.
وعلى مدى النصف الأول من عام 2026 بأكمله، بلغت الإيرادات 4.2 مليار ريال (1.12 مليار دولار) بنمو 6% سنوياً، لكن صافي الخسارة وصلت إلى 123 مليون ريال (32.8 مليون دولار)، مقابل ربح معدّل قدره 368 مليون ريال (98.1 مليون دولار) في النصف المماثل من 2025.
وطيران ناس ناقل جوي اقتصادي تأسس في الرياض عام 2007، ونقل 15.8 مليون راكب خلال عام 2025 محققاً إيرادات بلغت 7.8 مليار ريال. تخدم الشركة اليوم 80 وجهة داخل السعودية ودول الخليج وأسواق دولية أخرى بأسطول من 67 طائرة، 98% منها من الجيل الحديث الموفر للوقود.
مفاجأة سلبية تفوق تقديرات المحللين
لم يكن حجم الخسارة متوقعاً بهذا الاتساع. كان متوسط تقديرات المحللين يشير إلى صافي خسارة قدرها 128.7 مليون ريال (34.3 مليون دولار) للربع الثاني من عام 2026، في حين جاءت الخسارة الفعلية عند 241 مليون ريال (64.3 مليون دولار)، أي بفارق يتجاوز 112 مليون ريال (29.9 مليون دولار) ونسبة تفوق التوقعات بأكثر من 87%. هذا الاتساع الكبير بين التقديرات والنتيجة الفعلية يشير إلى أن السوق كان يُقيّم أثر ارتفاع أسعار الوقود وتعليق جزء من الشبكة الدولية بشكل أخف من الأثر الحقيقي الذي تحملته الشركة. ومع ذلك، تشير إدارة الشركة إلى أن النتائج جاءت "متوافقة مع المؤشرات الاسترشادية" التي قدمتها هي بنفسها للربع الثاني.
هذه الفجوة بين تقديرات السوق والنتائج الفعلية تجعل مؤشرات الشركة الاسترشادية للربع الثالث - نمو إيرادات في خانة الآحاد المنخفضة إلى المرتفعة وهامش EBITDA بين 15% و20% تقريباً - نقطة مرجعية أهم للمستثمرين من التقديرات الخارجية، خصوصاً أن الشركة نفسها علّقت توجيهاتها لعام 2026 بالكامل بسبب استمرار التقلبات الإقليمية.
الوقود يتضاعف والسعة تنخفض
جوهر القصة هذا الربع ليس في الإيرادات بل في هيكل التكاليف. ارتفعت تكلفة الوقود 86% على أساس سنوي إلى 838 مليون ريال (223.4 مليون دولار) في الربع الثاني وحده، بعد أن قفزت أسعار وقود الطائرات إلى أكثر من الضعف عقب اندلاع النزاع الإقليمي في 28شباط/ فبراير، والذي دفع الشركة إلى تعليق بعض رحلاتها. ونتيجة لذلك، انهار إجمالي الربح 94% إلى 26 مليون ريال (7 مليون دولار) فقط، مع تراجع هامش الربح الإجمالي من 21.1% إلى 1.2%.
استجابت الشركة بخفض استباقي للسعة المقعدية المتاحة (ASK) بنسبة 15% سنوياً، ما أدى إلى تراجع عدد الركاب 27% إلى 2.6 مليون راكب وانخفاض معامل الإشغال 8.4 نقطة مئوية إلى 71.2%. لكن هذا التقليص، مقروناً بارتفاع الأسعار، رفع إيرادات المقعد المتاح لكل كيلومتر (RASK) بنسبة قوية بلغت 22% إلى 29.9 هللة – وهو ما يفسّر كيف نمت الإيرادات على الرغم من انخفاض حجم التشغيل. إلا أن تكلفة المقعد المتاح (CASK) المعدّلة ارتفعت بمعدل أعلى بلغ 48% إلى 34.5 هللة، لأن قاعدة التكاليف الثابتة للشركة (الإهلاك والإيجار والرواتب) توزّعت على سعة أقل.
الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك واستهلاك الدين (EBITDA) المعدّلة انخفضت 73% إلى 205 مليون ريال (54.6 مليون دولار)، مع تقلص الهامش من 35.7% إلى 9.2% خلال عام واحد فقط، في إشارة واضحة إلى أن التراجع تشغيلي بحت وليس نتيجة بنود محاسبية استثنائية، إذ لم تسجَّل أي بنود غير متكررة في 2026 مقارنة بمصاريف الطرح العام الأولي التي بلغت 1.08 مليار ريال (287.9 مليون دولار) في الربع المقارن من 2025.
الحج يعوّض جزئياً وأداء القطاعات يتباين
من بين قطاعات الشركة الثلاثة، سجّل قطاع طيران ناس منخفض التكلفة، الذي يمثل 73% من الإيرادات، نمواً متواضعاً بنسبة 3% إلى 1.63 مليار ريال (434.6 مليون دولار)، إذ عوّضت زيادة إيرادات الوحدة أثر خفض السعة المجدولة. أما قطاع الحج فارتفعت إيراداته 6% إلى 547 مليون ريال (145.8 مليون دولار)، مستفيداً من وقوع موسم الحج بالكامل هذا العام ضمن الربع الثاني بعد أن كان قد امتد جزئياً إلى الربع الثالث في 2025. في المقابل، تراجعت إيرادات قطاع الطيران العام (تأجير الطائرات والرحلات العارضة) 11% إلى 40 مليون ريال، ما يعكس ضعف الطلب على هذا النشاط الهامشي.
الميزانية العمومية لا تزال نقطة القوة
على الرغم من الخسائر، حافظت الشركة على سيولة قوية بلغت 3.7 مليار ريال (987 مليون دولار) نقداً في نهاية حزيران/ يونيو، وحققت تدفقات نقدية حرة معدّلة موجبة بلغت 530 مليون ريال (141.3 مليون دولار) خلال النصف الأول، وإن كانت أقل بنسبة 32% من العام السابق بسبب ضعف التوليد النقدي التشغيلي. ارتفعت نسبة صافي الدين إلى الأرباح المعدّلة (EBITDA) إلى 1.7 مرة مقابل 1.4 مرة قبل عام، لكن الشركة توضح أن هذه الزيادة ناتجة بالكامل عن تراجع الأرباح وليس عن رفع المديونية، إذ ظل صافي الدين مستقراً عند نحو 3.15 مليار ريال (839.8 مليون دولار).
ما يجب أن يتابعه المستثمرون
الأهم للمستثمرين أن طيران ناس علّقت توقعاتها لعام 2026 بالكامل بسبب استمرار تقلبات البيئة الإقليمية، وقدّمت بدلاً منها مؤشرات للربع الثالث فقط: نمو إيرادات في خانة الآحاد المنخفضة إلى المرتفعة، وهامش EBITDA "في نطاق منتصف إلى مرتفع من الخانة العشرية" (أي ما بين نحو 15% و20% تقريباً)، على افتراض عدم تصعيد إقليمي جديد وسعر نفط عند 145 دولاراً للبرميل تقريباً.
هذا التعليق للتوجيهات السنوية يعني أن الرؤية على المدى المتوسط لا تزال ضعيفة، وأن أي مفاجأة جيوسياسية جديدة – مثل الاضطرابات الأمنية التي أدت لإغلاق مؤقت لبعض المطارات السعودية في منتصف تموز/ يوليو – قد تنعكس مباشرة على الأرباح.
في المقابل، تحرّكت الشركة بعد نهاية الربع، في 22 يوليو، لتحويل 25 طائرة (خمس A330neo وعشرون A321neo) من خيارات شراء إلى طلبيات مؤكدة مع إيرباص، لترفع إجمالي الطلبيات المؤكدة إلى 235 طائرة ضمن سجل يضم 280 طائرة. هذه الخطوة، التي جاءت وسط خسائر تشغيلية، تشير إلى أن الإدارة تنظر إلى اضطرابات 2026 كصدمة مؤقتة ولا تغيّر استراتيجية التوسع الأسطولي طويلة المدى المرتبطة برؤية السعودية 2030 وخطط تنمية قطاع الطيران المحلي.
السياق الأوسع
نتائج طيران ناس هذا الربع تختلف جوهرياً عن أزمات الطيران التقليدية المرتبطة بضعف الطلب؛ فالطلب على الأساس السعري كان قوياً بما يكفي لدفع إيرادات الوحدة 22% صعوداً، لكن صدمة خارجية جيوسياسية – ارتفاع أسعار الوقود عالمياً وتعليق شبكات دولية كاملة – فرضت على الشركة معادلة صعبة بين حماية الهامش وحماية الحجم.
نموذج التكلفة المنخفضة الذي بنته الشركة على مدى سنوات، إلى جانب أسطول حديث موفر للوقود بمتوسط عمر 4.5 سنوات، ساعدها على تجنّب خسائر أعمق، وهو ما يفسر عودتها لاستعادة السعة تدريجياً منذ مطلع يوليو مع تراجع حدة النزاع الإقليمي بعد اتفاق إطلاق النار في نيسان/ أبريل. بالنسبة للمستثمرين، فإن استقرار صافي الدين وقوة السيولة يمنحان الشركة مساحة زمنية لتجاوز هذه الفترة الانتقالية، لكن استمرار تعليق التوجيهات السنوية يبقي هامش الأرباح لعام 2026 بأكمله رهينة تطورات لا تتحكم فيها الشركة.
نبض