تخصيب اليورانيوم في السعودية: تعرف كيف كسر ترامب عقوداً من الشروط الأميركية

اقتصاد وأعمال 23-07-2026 | 10:51

تخصيب اليورانيوم في السعودية: تعرف كيف كسر ترامب عقوداً من الشروط الأميركية

اتفاق نووي مدني بقيمة عشرات مليارات الدولارات يفتح الباب أمام السعودية لتخصيب اليورانيوم ومعالجة الوقود النووي المستهلك للمرة الأولى، بعد أن تجاوزت واشنطن شرطين كانت تعتبرهما تاريخياً خط الدفاع الأول ضد الانتشار النووي في الشرق الأوسط.

تخصيب اليورانيوم في السعودية: تعرف كيف كسر ترامب عقوداً من الشروط الأميركية
اعلام سعودية أميركية في الرياض (رويترز)
Smaller Bigger

تدعم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتفاقاً للطاقة النووية مع الرياض يسمح للسعودية بتخصيب اليورانيوم ومعالجة الوقود الذري المستهلك، بحسب ما ذكره مصدران لوكالة "رويترز"، في خطوة قد تثير قلق دول إقليمية بشأن مخاطر الانتشار النووي. ويمتد الاتفاق ثلاثين عاماً وتُقدَّر قيمته بعشرات مليارات الدولارات، ويشمل مشاركة شركات أميركية في بناء البرنامج النووي المدني السعودي.

يكسر هذا الاتفاق شرطين ظلت واشنطن تتمسك بهما لعقود في أي تعاون نووي مع شركاء إقليميين: معيار "الحد الأقصى" الذي يحظر تخصيب اليورانيوم ومعالجة الوقود المستهلك محلياً، وهما مساران محتملان لإنتاج مواد صالحة لصنع رأس نووي، والبروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي يتيح رقابة دولية إضافية. ومن المتوقع أن يُحال الاتفاق على الكونغرس للمراجعة، حيث يواجه بالفعل اعتراضات من مشرعين يخشون فتح باب سباق تسلح نووي في منطقة تعيش أصلاً توتراً مع البرنامج النووي الإيراني.

 

ما هو الوضع القانوني الحالي؟


السعودية، كطرف موقّع على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ملتزمة أصلاً عدم تطوير قنبلة ذرية وقبول عمليات تفتيش دولية على منشآتها، مثل جميع الدول الموقّعة على المعاهدة. لكن واشنطن اعتادت تاريخياً المطالبة بضمانات إضافية تتجاوز الحد الأدنى المطلوب بموجب المعاهدة نفسها عند التفاوض مع شركاء نوويين جدد في المنطقة، وهو ما يجعل التخلي عن هذه الضمانات في الاتفاق الحالي خطوة استثنائية تكسر سابقة طويلة
.

ويستند الاتفاق إلى ما يُعرف بـ"اتفاق 123"، نسبة إلى المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأميركي لعام 1954، الذي يحدد تسعة معايير لمنع الانتشار يجب أن تلتزمها أي دولة شريكة لضمان عدم استخدام التقنية الأميركية في تطوير أسلحة نووية أو نقل مواد حساسة لجهات أخرى، فضلاً عن نص القانون على وجوب مراجعة الكونغرس لأي اتفاق من هذا النوع. ويأتي غياب معيار "الحد الأقصى" والبروتوكول الإضافي عن الاتفاق الحالي في وقت يثير تساؤلات حول الاتساق، بالنظر إلى أن أحد مبررات الحرب الأميركية على إيران هذا العام كان رفض طهران التنازل عن برنامج التخصيب النووي الخاص بها.

 

لماذا تريد السعودية برنامجاً نووياً؟


بصفتها أكبر مصدّر نفط في العالم، قد لا تبدو السعودية مرشحاً بديهياً للطاقة النووية، لكنها تسعى إلى خفض الانبعاثات الكربونية وتحرير مزيد من النفط الخام للتصدير في إطار رؤية 2030 الاقتصادية التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، فإن 68 بالمئة من الكهرباء السعودية تُولَّد بحرق الغاز و32 بالمئة بحرق النفط، مع استخدام 1.4 مليون برميل يومياً من النفط الخام لتوليد الكهرباء خلال حزيران/يونيو الذي يُعد شهر الذروة في الاستهلاك
.

يمكن الطاقة النووية أن تعوّض جزءاً من هذا الاستهلاك، بما يشمل عمليات تحلية المياه وتكييف الهواء الكثيفة الاستخدام للطاقة، بما يتيح للمملكة تحقيق عائدات أكبر من مبيعات النفط. لكن السعودية أعلنت أيضاً أنها إذا رأت غريمتها إيران تطور سلاحاً نووياً، فستحذو حذوها، وهو تصريح يبدو موجهاً لزيادة الضغط على طهران، لكنه غذّى في الوقت نفسه المخاوف حول طموحاتها النووية الذاتية.

وخلافاً لكثير من الدول المنتجة للطاقة النووية التي تعتمد على استيراد وقود اليورانيوم المخصَّب لاستخدامه في مفاعلاتها بدلاً من التخصيب المحلي، أعلنت السعودية في كانون الثاني/يناير 2025 أنها تعتزم تخصيب اليورانيوم، وهي عملية يمكن استخدامها أيضاً كجزء من برنامج عسكري، لإنتاج وقود "الكيك الأصفر" اللازم لتوليد الطاقة النووية وبيعه لاحقاً.

 

ماذا تستفيد الولايات المتحدة؟

هناك مكاسب استراتيجية وتجارية محتملة للجانب الأميركي. فقد كان التعاون النووي المدني إلى جانب الضمانات الأمنية أداة تحفيز مهمة في محاولة سابقة قادها الرئيس الأميركي السابق جو بايدن للتوسط في اتفاق تطبيع بين السعودية وإسرائيل. لكن هذين الملفين انفصلا الآن بحسب تقارير "رويترز"، وإن كان اتفاق نووي قد يشكّل ورقة تحفيزية إضافية في المساعي الديبلوماسية الأميركية مع المملكة، التي استبعدت تطبيع علاقاتها مع إسرائيل من دون قيام دولة فلسطينية.

وقد التقى وزير الطاقة الأميركي كريس رايت وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان العام الماضي، وقال إن البلدين على "مسار" نحو اتفاق نووي مدني، من دون الإشارة إلى اتفاق أوسع يشمل قضايا أخرى مثل التطبيع. ومن شأن الاتفاق أن يضع الصناعة الأميركية في موقع متقدم للحصول على عقود بناء محطات الطاقة النووية السعودية، فضلاً عن منحها رؤية أوثق على البرنامج الذري للمملكة قد تخفف من مخاوف واشنطن بشأن انتشار الأسلحة.

وزير الطاقة الأميركي كريس رايت ووكيل وزارة الدفاع لشؤون المشتريات والاستدامة مايكل دافي على متن طائرة الشحن التي نقلت مفاعلا نوويا مصغرامن ولاية كاليفورنيا إلى ولاية يوتا في قاعدة هيل الجوية في يوتا (رويترز)
وزير الطاقة الأميركي كريس رايت ووكيل وزارة الدفاع لشؤون المشتريات والاستدامة مايكل دافي على متن طائرة الشحن التي نقلت مفاعلا نوويا مصغرامن ولاية كاليفورنيا إلى ولاية يوتا في قاعدة هيل الجوية في يوتا (رويترز)

 

خيارات بديلة أمام الرياض

في حال فشل الاتفاق الأميركي-السعودي، حتى في هذه المرحلة المتأخرة، فإن عدداً من الدول ذات الصناعات النووية الراسخة أبدت اهتمامها أو تُعد شريكاً محتملاً للبرنامج النووي السعودي. فقد قدّمت شركة الطاقة النووية الوطنية الصينية المملوكة من الدولة عرضاً في عام 2023 لبناء محطة نووية، بينما وقّعت شركة روساتوم الروسية المملوكة من الدولة، التي بنت محطة نووية في مصر، اتفاقات تعاون أولية مع الرياض أيضاً. ومن بين المرشحين المحتملين الآخرين كوريا الجنوبية التي بنت مفاعلات في الإمارات العربية المتحدة المجاورة، وفرنسا. ويُرجَّح أن يتوقف اختيار الشريك على العروض التقنية والتمويل والتوافق الجيوسياسي، بما يشمل الشروط المتعلقة بالتعامل مع الوقود النووي.


تخصيب اليورانيوم: السؤال الأهم

تتمثل القضية الجوهرية في ما إذا كانت واشنطن ستوافق على بناء منشأة تخصيب يورانيوم على الأراضي السعودية، ومتى قد يحدث ذلك، وهل سيكون للكادر السعودي حق الوصول إليها أم ستُدار بالكامل من موظفين أميركيين وفق ترتيب "الصندوق الأسود" المغلق. فمن دون ضمانات صارمة مدرجة في الاتفاق، يمكن السعودية نظرياً، التي تملك احتياطيات من خام اليورانيوم على أراضيها، استخدام منشأة التخصيب لإنتاج يورانيوم عالي التخصيب يمكن أن يوفر، إذا نُقّي بما يكفي، مواد انشطارية صالحة لصنع قنابل.

وقال مصدر لـ"رويترز" إن الاتفاق المقترح بين واشنطن والرياض يوفر مساراً قانونياً للتعاون في دورة الوقود النووي، التي تشمل تخصيب اليورانيوم، لكنه لا يُلزم واشنطن نقل أي تقنيات أو قدرات ذات صلة إلى المملكة فعلياً. وهناك أيضاً تعقيدات ديبلوماسية؛ فإسرائيل، أهم حليف إقليمي لواشنطن، أعربت مراراً عن معارضتها لفكرة برنامج نووي مدني سعودي.



منظر جوي للرياض (رويترز)
منظر جوي للرياض (رويترز)

 

رحلة سعودية طويلة نحو التقنية النووية

الطموح النووي السعودي ليس وليد اللحظة، بل يمتد لأكثر من عقد ونصف عقد من المفاوضات المتعثرة مع واشنطن.

  • 2010: مرسوم ملكي يصف تطوير الطاقة الذرية بأنه "ضرورة" لتلبية الطلب على الكهرباء وتحلية المياه، تلاه إنشاء مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة في الرياض.
  • 2017: إطلاق المشروع النووي الوطني السعودي بخطة شاملة تضم محطات كبيرة ومفاعلات صغيرة معيارية وأنشطة دورة وقود نووي كاملة.
  • 2018: الإعلان عن خطط لبناء 16 مفاعلاً نووياً تجارياً بتكلفة تتجاوز 80 مليار دولار بحلول 2032، بهدف توليد 17 غيغاواط من الكهرباء تمثل 15 بالمئة من إجمالي الاستهلاك، مع تحديد موقعين محتملين في أم الحويد وخور الدويهين.
  • 2018: تصريح لافت لولي العهد بأن السعودية "لا تسعى الى امتلاك سلاح نووي، لكنها ستحذو حذو إيران فوراً إذا طورت سلاحاً نووياً"، وهو التصريح الذي ظل محوراً لمخاوف الانتشار النووي منذ ذلك الحين.
  • 2020: تقارير "وول ستريت جورنال" تكشف أن السعودية أنشأت بمساعدة صينية منشأة لاستخلاص خام اليورانيوم المُركَّز محلياً، وهي خطوة أولى في دورة الوقود النووي أثارت تحذيرات في الكونغرس الأميركي.
  • كانون الثاني/يناير 2025: أعلنت المملكة عزمها على تخصيب اليورانيوم لإنتاج وقود "الكيك الأصفر" لتوليد الطاقة النووية وبيعه، في مؤشر على نيتها امتلاك دورة وقود نووي محلية كاملة بدلاً من الاعتماد على الاستيراد.
  • تشرين الثاني/نوفمبر 2025: توقيع إعلان مشترك في واشنطن خلال زيارة ولي العهد يضع الأساس القانوني للشراكة، أكد البيت الأبيض وقتها التزامه "معايير قوية لمنع الانتشار".
  • شباط/فبراير – تموز/يوليو 2026: كشفت "رويترز" عن نية الإدارة الأميركية إزالة ضمانات "الحد الأقصى" من الاتفاق النهائي، وهو ما تحقق فعلياً بموافقة الرئيس الأميركي الأخيرة.

 

ماذا يعني هذا سياسياً؟

الأثر السياسي للاتفاق يتجاوز الملف النووي التقني إلى إعادة ترتيب موازين النفوذ في الشرق الأوسط.

بحسب تقارير إسرائيلية، يشكّل فصل هذا الاتفاق عن أي شرط للتطبيع مع إسرائيل قطيعة مع سياسة الإدارة الأميركية السابقة، ويرى مسؤولون إسرائيليون في ذلك تراجعاً في نفوذ تل أبيب لدى واشنطن، التي عارضت مراراً فكرة برنامج نووي مدني سعودي أساساً. ويضاف إلى ذلك أن غياب معيار "الحد الأقصى" والبروتوكول الإضافي عن الاتفاق يثير تساؤلات حول ازدواجية المعايير الأميركية، بالنظر إلى أن رفض طهران التنازل عن برنامج التخصيب كان من مبررات الحرب الأميركية عليها هذا العام.

كما تتصاعد تحذيرات متكررة من خبراء الحد من الانتشار النووي ومن مشرعين أميركيين ديموقراطيين، بينهم النائبان إدوارد ماركي وجيف ميركلي اللذان قدّما في آذار/مارس 2026 مشروع قانون لتقييد وصول السعودية إلى تقنيات نووية حساسة. وفي المقابل، يمنح الاتفاق الشركات الأميركية موقعاً تفضيلياً في السوق النووية السعودية، في مواجهة عروض سابقة قدمتها الشركة الصينية للطاقة النووية الوطنية وشركة روساتوم الروسية، فضلاً عن منافسين محتملين كفرنسا وكوريا الجنوبية، في سياق يعكس إعادة تموضع أميركي في مواجهة النفوذ الصيني والروسي المتصاعد في قطاع الطاقة النووي الخليجي.

 

الأكثر قراءة

لبنان 7/20/2026 9:10:00 PM
فرع المعلومات كان قد استدعى عليق في وقت سابق، إلا أنه تخلّف عن الحضور...
لبنان 7/21/2026 12:52:00 PM
العقيد كان برفقته عدد من المهتمين بالآثار في جولة استكشافية لتصوير المواقع الأثرية وتوثيقها في منطقة بريصا الجردية...
لبنان 7/22/2026 8:23:00 AM
"هناك فجوة بين ما يُقال في العلن وما يجري خلف الكواليس"
لبنان 7/22/2026 2:55:00 PM
بري: "يبدو أن ترامب يفهمني أكثر من بعض اللبنانيين"