حرب إيران ترفع البنزين في الولايات المتحدة إلى 4 دولارات وتضغط على ترامب
ارتداد أسعار الوقود في الولايات المتحدة يعكس هشاشة سوق الطاقة أمام اضطرابات الشرق الأوسط، ويضع البيت الأبيض أمام اختبار سياسي واقتصادي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر.
البنزين يعود إلى واجهة الأزمة الأميركية
عادت أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى مستوى 4 دولارات للغالون في المتوسط، وفق نادي السيارات الأميركي، مع تجدد الضغوط على تدفقات الطاقة العالمية بفعل التصعيد بين واشنطن وطهران.
وبلغ متوسط سعر غالون البنزين العادي أعلى قليلاً من 4 دولارات، الاثنين، بزيادة تقارب 13 سنتاً عن الأسبوع السابق. كما أصبح أعلى بكثير من مستواه في الفترة نفسها من العام الماضي، حين كان السائقون الأميركيون يدفعون نحو 3.14 دولارات في المتوسط للغالون.
تأتي هذه الزيادة بعد أسابيع من التقلب في أسعار النفط، المادة الأساسية في إنتاج البنزين. فقد تحرك خام برنت، المعيار العالمي، الاثنين ما بين 86 و91 دولاراً للبرميل، مقارنة بنحو 72 دولاراً في بداية تموز/يوليو.

حرب إيران وسوق النفط
وفق وكالة "رويترز"، بدأت الحرب في 28 شباط/فبراير بهجمات أميركية-إسرائيلية على إيران. وتسببت، بحسب المادة المتاحة، في اضطرابات في الإنتاج وسلاسل الإمداد عبر الشرق الأوسط، ما دفع أسعار الخام إلى الارتفاع خلال المراحل الأولى من النزاع.
وفي أذار/مارس، صعد خام برنت إلى نحو 120 دولاراً للبرميل، بينما سجلت أسعار البنزين في الولايات المتحدة في أيار/مايو أعلى مستوى في أربع سنوات عند أكثر من 4.50 دولارات للغالون.
لاحقاً، تراجعت أسعار الطاقة الشهر الماضي بعد توصل واشنطن وطهران إلى اتفاق موقت في 17 حزيران/يونيو، كان يهدف إلى إنهاء القتال بصورة دائمة وإحياء حركة الملاحة في مضيق هرمز. غير أن الاتفاق انهار، بحسب المادة، مع تكثيف الولايات المتحدة غاراتها الجوية على إيران الاثنين، ورد طهران بهجمات على حلفاء أميركا في المنطقة.
لماذا يهم مضيق هرمز؟
يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس النفط العالمي في أوقات السلم، وفق تصريح نقلته المادة عن البيت الأبيض. لذلك لا تتعامل الأسواق مع المضيق بصفته ممراً إقليمياً فحسب، بل نقطة اختناق رئيسية في تجارة الطاقة العالمية.
وقالت وكالة "ستاندرد أند بورز غلوبال إنرجي" الاثنين إن عبور السفن عبر المضيق هبط 50 بالمئة في الأسبوع الماضي مقارنة بالأسبوع السابق. وأضاف محللوها أن استمرار هيمنة السفن المرتبطة بإيران والخاضعة للعقوبات، يشير إلى أن ملاك السفن الرئيسيين ما زالوا حذرين من عبور الممر المائي.
كما قالت وكالة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الثلاثاء، إن ناقلة في مضيق هرمز أبلغت عن تعرضها لمقذوف مجهول، ما أجبر طاقمها على مغادرة السفينة والصعود إلى قارب نجاة.
الأسواق بين التصعيد والوساطة
وقالت "رويترز" إن أسعار النفط تراجعت اليوم مع موازنة الأسواق بين تقارير عن جهود وساطة بين الولايات المتحدة وإيران من جهة، وتبادل هجمات جديدة بين الطرفين وتهديدات الحوثيين بفرض حصار بحري على السعودية من جهة أخرى.
وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت 96 سنتاً، أو 1.1 بالمئة، إلى 88.26 دولاراً للبرميل بحلول الساعة 06:30 بتوقيت غرينتش. كما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 73 سنتاً، أو 0.9 بالمئة، إلى 82.50 دولاراً للبرميل، بينما هبط العقد الأكثر نشاطاً لتسليم أيلول/سبتمبر 57 سنتاً، أو 0.7 بالمئة، إلى 81.91 دولاراً للبرميل.
وقال محللو بنك آي إن جي في مذكرة نقلتها "رويترز": "هناك بعض الأمل في خفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران. التقارير تفيد بأن الوسطاء يقترحون وقفاً لإطلاق النار لمدة 10 أيام، ما قد يعيد مذكرة التفاهم إلى مسارها".
لكن البنك أشار إلى أن ذلك لن يكون سهلاً، إذ ما زالت الخلافات الرئيسية بين واشنطن وطهران قائمة، كما أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حذر من الرد بعد مقتل عدد من الجنود الأميركيين.
وقال مسؤول إيراني كبير لـ"رويترز" إن طهران تلقت مقترحاً من وسطاء لوقف إطلاق النار 10 أيام في محاولة لإنقاذ الاتفاق الموقع في 17 حزيران/يونيو.
تفاوت واسع بين الولايات
يمثل متوسط 4 دولارات للغالون رقماً وطنياً، لكنه يخفي فوارق كبيرة بين الولايات. ففي كاليفورنيا، بلغ متوسط سعر الغالون نحو 5.50 دولارات الاثنين، وهو الأعلى في البلاد، تلتها هاواي عند نحو 5.42 دولارات، ثم ولاية واشنطن عند 5.01 دولارات، وفق نادي السيارات الأميركي.
في المقابل، سجلت ولايات مثل إنديانا وميسيسيبي متوسطات أقرب إلى 3.35 دولارات و3.57 دولارات على التوالي. وتختلف الأسعار بين الولايات بسبب عوامل تشمل قرب الإمدادات ومستويات الضرائب المحلية.
كيف ينتقل النفط إلى محطة الوقود؟
لا يتحول ارتفاع النفط فوراً إلى زيادة في سعر البنزين. فالمصافي تشتري الخام مسبقاً، كما تستغرق عمليات التسليم والتكرير وقتاً. لذلك يظهر أثر الارتفاع في الخام على أسعار المضخات بفاصل زمني.
لكن اتجاه السوق واضح في المادة المتاحة: ارتفاع برنت خلال الأسابيع الأخيرة تبعه صعود في سعر البنزين، بعد أن كان المتوسط الوطني قد تراجع في وقت سابق من هذا الشهر إلى 3.79 دولارات للغالون.

هذا الارتداد السريع ترك أثراً مباشراً على السائقين. وقالت ليتزا مافروثالاسيتس، وهي من سكان شيكاغو، أثناء تعبئة خزان سيارتها أمس: "بقيت لدي آخر قطرات من البنزين". وأضافت أنها صُدمت من عودة الأسعار إلى هذا المستوى: "كان الأمر غير قابل للتصديق. ظننت أننا بدأنا نستقر أخيراً".
أما جاكوب فيشر، وهو أيضاً من سكان شيكاغو، فقال إن التفكير في أسباب ارتفاع تكاليف الوقود "يجعلني غاضباً". وأضاف: "حرب عبثية في إيران، وإدارتنا الحالية تغذي الكثير من هذا، وهذا أمر فظيع. لا يخدم الشعب الأميركي، ولا يخدم أي مكان في العالم".
البيت الأبيض بين الأمن والطاقة
قالت تايلور روجرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض، في بيان أمس، إن "أسعار النفط والغاز ستنخفض بشدة إلى مستويات ما قبل النزاع"، مع إضعاف الجيش الأميركي قدرة إيران على مهاجمة السفن وتعطيل التجارة في مضيق هرمز.
وأضافت أن ترامب "لا يزال ملتزماً إطلاق هيمنة الطاقة الأميركية، وخفض التكاليف، وإعادة مزيد من الأموال إلى جيوب الأسر الأميركية العاملة".
مع ذلك، يغذي التصعيد العسكري والالتباس بشأن مستقبل السيطرة على هرمز حالة عدم اليقين في السوق. كما أن توقف حركة السفن في الممر الرئيسي يعني أن المسألة لم تعد مقتصرة على سعر الخام، بل تمتد إلى ثقة ملاك السفن وشركات التأمين والمشترين بسلامة التجارة عبر الخليج.
عبء سياسي قبل انتخابات الكونغرس
يحمل ارتفاع البنزين أثراً سياسياً مباشراً في الولايات المتحدة. فقبل المشاركة في إطلاق الحرب في أواخر شباط/فبراير، كان ترامب يتباهى بالحفاظ على أسعار الوقود مخفوضة، وفق المادة المتاحة. كما أبدى الشهر الماضي إحباطه من عدم تراجع أسعار البنزين بالسرعة نفسها التي انخفضت بها أسعار الخام.
إذا واصل الوقود الارتفاع، فمن المرجح أن تكون تكلفته حاضرة بقوة في أذهان الناخبين خلال انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر. فالبنزين من الأسعار القليلة التي يراها المستهلك يومياً تقريباً، ما يجعله مؤشراً سياسياً شديد الحساسية حتى عندما تكون أسباب ارتفاعه مرتبطة بعوامل جيوسياسية خارجية.
الديزل يوسع دائرة الضغط
لا يقتصر الارتفاع على البنزين. فقد بلغ متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة الاثنين نحو 5.11 دولارات للغالون، وفق نادي السيارات الأميركي، مقارنة بـ4.88 دولارات قبل أسبوع.
وتزداد أهمية الديزل لأنه يشغل كثيراً من شاحنات النقل والبضائع لمسافات طويلة. لذلك يمكن أن ينتقل ارتفاعه إلى تكاليف الشحن وسلاسل الإمداد، ثم إلى أسعار السلع التي تصل إلى المستهلكين.
وبحسب متتبع إلكتروني من معهد واتسون للشؤون الدولية والعامة في جامعة براون، دفعت الأسر الأميركية مجتمعة نحو 71.1 مليار دولار من التكاليف الإضافية للبنزين والديزل وحدهما منذ بدء الحرب.
أثر يتجاوز المضخة
تقول المادة المتاحة إن ارتفاع أسعار الوقود رفع تكلفة النقل لدى الشركات، فيما تفاقم أيضاً نقص إمدادات ضرورية أخرى مثل الأسمدة. كما زادت أسعار البقالة وتذاكر الطيران وسلع تشمل الواقيات الذكرية والأحذية خلال الأشهر الأخيرة.
وتبدو صدمات الإمداد أشد في الأماكن الأكثر اعتماداً على الواردات من الشرق الأوسط، خصوصاً في آسيا وأفريقيا. بالنسبة إلى القارئ العربي، تكمن أهمية القصة هنا في أن اضطراب ممرات الخليج لا ينعكس على المستهلك الأميركي فحسب، بل على التجارة العالمية وأسعار الشحن وتكلفة الغذاء في الاقتصادات المستوردة للطاقة أو السلع الوسيطة.
الحوثيون والسعودية: جبهة محتملة جديدة
وأضافت "رويترز" أن الحوثيين المتحالفين مع إيران في اليمن قالوا أمس إنهم سيفرضون حصاراً بحرياً على السعودية، ما قد يفتح جبهة جديدة ضد الولايات المتحدة في حربها على إيران، ويرفع المخاطر على إمدادات الطاقة والتجارة العالمية خارج الخليج.
وقال تيم ووترر، كبير محللي السوق في "كيه سي إم تريد"، إن تهديدات الحوثيين بفرض حصار بحري على السعودية "مهمة لأنها ترفع خطر تعطيل مصدر رئيسي آخر للنفط".
ما الذي يمكن أن يحدث لاحقاً؟
حتى إذا انتهى القتال، يحذر خبراء، وفق المادة المتاحة، من أن عودة سلاسل الإمداد إلى مستويات ما قبل الحرب قد تستغرق أشهراً أو أكثر. وكانت وكالة "ستاندرد أند بورز غلوبال إنرجي" قالت الشهر الماضي إنها لا تتوقع تعافي إنتاج النفط في الخليج بالكامل قبل الربع الأول من 2027 على الأقل.
لذلك لا يبدو مسار أسعار البنزين مرتبطاً بعامل واحد. فخفض التصعيد قد يضغط على النفط نزولاً، كما ظهر في تعاملات الثلاثاء. غير أن استمرار الهجمات، أو اتساع المخاطر إلى السعودية، أو بقاء السفن التجارية بعيدة عن مضيق هرمز، يمكن أن يبقي أسعار الوقود تحت ضغط، حتى لو لم يرتفع الخام بالوتيرة نفسها التي شهدتها السوق في أذار/مارس.
خمس حقائق رئيسية
- بلغ متوسط سعر غالون البنزين العادي في الولايات المتحدة أعلى قليلاً من 4 دولارات أمس الاثنين، بزيادة تقارب 13 سنتاً عن الأسبوع السابق، وفق نادي السيارات الأميركي.
- تحرك خام برنت أمس ما بين 86 و91 دولاراً للبرميل، مقارنة بنحو 72 دولاراً في بداية تموز/يوليو.
- قالت وكالة "ستاندرد أند بورز غلوبال إنرجي" إن عبور السفن عبر مضيق هرمز هبط 50 بالمئة في الأسبوع الماضي مقارنة بالأسبوع السابق.
- بلغ متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة نحو 5.11 دولارات للغالون، الاثنين، ارتفاعاً من 4.88 دولارات قبل أسبوع، وفق نادي السيارات الأميركي.
- قالت "رويترز" إن برنت تراجع الثلاثاء إلى 88.26 دولاراً للبرميل، مع تقييم السوق مقترحاً لوقف إطلاق النار 10 أيام بين الولايات المتحدة وإيران.
نبض