هل يُموَّل "أمان" بالكامل من الموازنة؟ حنين السيد لـ"النهار": الإنفاق على الحماية استثمار لا عبء
لسنوات طويلة، تعاملت الدولة اللبنانية مع شبكات الحماية الاجتماعية كما لو أنها مسؤولية المجتمع الدولي لا مسؤوليتها. فكلما توسعت رقعة الفقر، كان يبحث عن الحل في البنك الدولي أو الاتحاد الأوروبي أو الجهات المانحة، فيما بقيت الموازنة العامة شبه غائبة عن تمويل البرامج المخصصة للأسر الأكثر حاجة. وباتت المساعدات الاجتماعية تقاس بحجم التمويل الخارجي المتوافر، لا بحجم الحاجة داخل لبنان.
هذا الواقع بدأ يشهد تحولاً، وإن كان لا يزال في بداياته. فإدراج اعتمادات من الموازنة العامة لتمويل برنامج "أمان"، للمرة الأولى منذ إطلاقه، لا يعني فقط ضخ 55 مليون دولار في البرنامج، بل يحمل اعترافاً من الدولة بأن الحماية الاجتماعية ليست منحة خارجية، بل مسؤولية وطنية ينبغي أن تتحمل جزءاً من كلفتها.
صحيح أن مساهمة الدولة لا تزال تمثل نحو ربع تمويل البرنامج، فيما يبقى الجزء الأكبر مؤمناً من الجهات المانحة، إلا أن أهمية الخطوة تكمن في تثبيت مبدأ جديد داخل المالية العامة. فحين يصبح الإنفاق الاجتماعي بنداً ثابتاً في الموازنة، يصبح قابلاً للزيادة عاماً بعد عام، تماماً كما يحدث مع بقية أبواب الإنفاق العام.
والأهم أنه يبعث برسالة إلى الجهات الدولية بأن لبنان لم يعد يكتفي بطلب التمويل، بل بدأ يشارك في تحمل المسؤولية المالية عن أكثر برامجه الاجتماعية حساسية.

ولا يقل أهمية عن ذلك أن هذه الخطوة تأتي في وقت ارتفعت فيه معدلات الفقر بعد الحرب الأخيرة، وتزايدت الضغوط الاجتماعية على الدولة، فيما يزداد اقتناع المؤسسات المالية الدولية بأن أي إصلاح اقتصادي لن يكون قابلاً للاستمرار من دون شبكة حماية اجتماعية متينة تحمي الفئات الأكثر حاجة من كلفة الإصلاحات.
تمويل 25% من الموازنة
تكشف وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد لـ"النهار" أن الدولة انتقلت هذه السنة من عدم تخصيص أي اعتماد لبرنامج "أمان" إلى تمويل نحو 25% من كلفته، معتبرة أن "هذه ليست سوى البداية".
وتوضح أن "البرنامج كان يعتمد سابقا ًعلى نحو 200 مليون دولار من البنك الدولي و45 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي، وأن مبلغ الـ55 مليون دولار الذي أدرجته الدولة في موازنة 2026 لا يحل محل التمويل الخارجي، بل يضاف إليه".
وتشير إلى أن "الموافقة على هذا الاعتماد جاءت منذ إعداد مشروع موازنة 2026، بعدما لقي طلب الوزارة تأييداً من وزارة المال، قبل أن يقره مجلسا الوزراء والنواب، بما يعكس توافقاً على زيادة الإنفاق العام على الحماية الاجتماعية".
150 مليون دولار في موازنة 2027؟
ولا يبدو أن الوزارة تنوي الاكتفاء بهذه الخطوة. فقد أكدت السيد أنها طلبت رفع مساهمة الدولة في موازنة 2027 إلى150 مليون دولار، موضحة أن "البرنامج يحتاج إلى ما بين 270 و300 مليون دولار سنوياً لمساعدة نحو 160 ألف أسرة، أي ما يقارب 800 ألف لبناني".
وترى أن "الهدف النهائي هو الوصول تدريجياً إلى مرحلة تتمكن فيها الدولة من تمويل البرنامج بالكامل، مع تحسن النمو الاقتصادي وتراجع معدلات الفقر، بحيث يصبح الاعتماد على التمويل الخارجي استثناء لا قاعدة".

"الإنفاق الاجتماعي استثمار"
ولكن هل تتحمل الموازنة هذا العبء؟ ترفض السيد النظر إلى الإنفاق الاجتماعي بوصفه عبئاً على المالية العامة، مؤكدة أنها لا تزال تعتبره استثماراً في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وأن "هذا المفهوم بدأ يلقى قبولاً أوسع داخل مؤسسات الدولة".
وتكشف أن "الوزارة كانت تستهدف قبل الحرب الأخيرة تغطية نحو 160 ألف أسرة، إلا أن ارتفاع معدلات الفقر دفعها إلى رفع سقف طموحاتها إلى 180 ألف أسرة، مع الإقرار بأن تحقيق هذا الهدف يبقى مرتبطاً بتوافر التمويل".

كما تؤكد أن "باب استقبال طلبات جديدة مقفل حالياً، ولكن من المؤكد أنه سيفتح لاحقاً، فالوزارة تسعى إلى توسيع قاعدة المستفيدين كلما سمحت الإمكانات المالية بذلك".
على الرغم من أهمية هذا التحول، لا يزال الطريق طويلاً أمام بناء شبكة حماية اجتماعية مستدامة. فمساهمة الدولة لا تزال تمثل جزءاً محدوداً من تمويل البرنامج، فيما يبقى استمراره مرتبطاً إلى حد كبير بالمساعدات الخارجية.
لكن ما تحقق هذه السنة قد يكون أكثر أهمية من قيمة الاعتماد نفسه. فإدراج الحماية الاجتماعية داخل الموازنة العامة للمرة الأولى يكرس مبدأ جديداً في إدارة المالية العامة. فحماية الفئات الأكثر حاجة ليست ملفاً يترك للمانحين، بل مسؤولية تقع، قبل أي طرف آخر، على عاتق الدولة.
نبض