أي اقتصاد مشترك للدول المشاطئة لهرمز بعد الحرب؟
بين منطق الردع ومنطق الشراكة، يقف هرمز أمام فرصة تاريخية: أن يتحول من أخطر نقطة اختناق للطاقة في العالم إلى منصة للمصالح الاقتصادية المتبادلة.
يمكن تسمية الحرب الأخيرة بـ "حرب هرمز". اليوم، بعدما وضعت الحرب أوزارها، هل يمكن تحويل هذا المضيق من ورقة ابتزاز إلى أصل اقتصادي مشترك؟ الجواب المختصر: نعم، لكن ليس بصيغة "سوق مشتركة" على الطريقة الأوروبية، ولا باتحاد اقتصادي بين إيران ودول الخليج. الممكن واقعياً هو إنشاء اقتصاد وظيفي حول المضيق: إدارة مشتركة للملاحة، صندوق للتأمين والمخاطر، ممرات تجارية وجمركية آمنة، ربط للطاقة، ومشاريع موانئ ولوجستيات تمتد من مسندم والفجيرة وصحار إلى بندر عباس وجاسك وجبل علي. أي اقتصاد مصالح لا اقتصاد مصالحة سياسية كاملة.
تنبع أهمية الفكرة من حجم الرهان: قبل الحرب، كان هرمز يعبر نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، أي قرابة خمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية، وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً. أما الغاز الطبيعي المسال، فالمضيق كان يحمل نحو خُمس تجارته العالمية، ومعظمها من قطر إلى آسيا. هذا يعني أن اضطراب هرمز لا يضرب إيران أو الخليج فقط، بل يضرب مصانع آسيا، أسعار الكهرباء، تأمين السفن، وأسواق التضخم في العالم. لكن الحرب كشفت أيضاً أن القوة الجغرافية يمكن أن تتحول إلى ضعف جماعي. فإغلاق المضيق أو تعطيله لا يعطي إيران "سلاحاً" مجانياً، بل يعزل موانئها الجنوبية، ويخنق تجارة صغار التجار في بوشهر وبندر عباس، ويرفع كلفة الواردات، ويجعل أي رفع للعقوبات أقل فائدة. في المقابل، لا تستطيع دول الخليج التعويل إلى ما لا نهاية على الحماية الأميركية أو على خطوط التفافية محدودة. فالإمارات والسعودية تملكان القدرة على تجاوز هرمز عبر الفجيرة وينبع على التوالي، لكن الطاقة الفائضة المتاحة لا تعوّض التدفقات المعتادة. أما قطر والكويت والبحرين والعراق فأكثر انكشافاً، خصوصاً في الغاز والمنتجات والطاقة المستوردة.

العسكرة هي الأخطر
فكرة "اقتصاد هرمز المشترك" أقل رومانسية مما تبدو للوهلة الأولى. بالتأكيد، ليست هذه دعوة إلى الثقة بإيران، بل محاولة لجعل تعطيل المضيق مكلفاً للجميع، بمن فيهم إيران، وجعل فتحه مربحاً للجميع. السياسة وحدها لم تمنع الابتزاز، والعسكرة وحدها لم تمنع الخطر. المطلوب هندسة مصالح تجعل الأمن البحري سلعة إقليمية مشتركة. الركيزة الأولى لهذا الاقتصاد هيئة مدنية – بحرية لهرمز، لا قيادة عسكرية مشتركة، تضم الإمارات وعُمان وإيران، ومعها دول الخليج والعراق بصفة أصحاب مصلحة، وبمراقبة من المنظمة البحرية الدولية. ليست مهمتها منح أحد الحق في السيطرة، بل تنظيم خدمات الملاحة: الإرشاد، الإنقاذ، مكافحة التلوث، تبادل بيانات السفن، إزالة الألغام، وتحديد ممرات الطوارئ عند الأزمات. الفارق جوهري هنا: لا رسوم عبور سياسية، ولا "خوة" سيادية، إنما بدل خدمات شفاف يخضع للقانون الدولي، ولا يمس بالحق في عبور المضائق الدولية.
الركيزة الثانية صندوق إقليمي للتأمين البحري والمخاطر. خلال الحرب، تحولت كلفة التأمين واستئجار الناقلات إلى مؤشر خوف لا يقل أهمية عن سعر النفط. عندما تبلغ كلفة ناقلة تحتاج إلى عبور هرمز مئات آلاف الدولارات يومياً، يصبح المضيق ضريبة مخاطر على كل برميل وكل شحنة وكل مستهلك. لذلك يمكن إنشاء صندوق تموله نسب صغيرة من المنتجين والموانئ والمستوردين الكبار في آسيا، لا لتعويض الشركات وحدها، بل لتقليل علاوة الخطر عبر ضمانات مشتركة، وتمويل إزالة الألغام، وأنظمة الإنذار المبكر، والتعويضات البيئية عند الحوادث. الركيزة الثالثة تحويل الموانئ المتقابلة إلى شبكة لا إلى جزر متنافسة. الإمارات تملك جبل علي والفجيرة، وعُمان تملك صحار والدقم ومسندم، وإيران تملك بندر عباس وجاسك وبوشهر. بدلاً من أن تكون هذه الموانئ خطوط تماس، يمكن أن تصبح عقداً في ممر اقتصادي واحد: تفتيش جمركي مسبق، ممرات خضراء للغذاء والدواء وقطع الغيار، مناطق تخزين مشتركة، وخدمات إعادة تصدير لا تمر بالقنوات المالية المعاقبة. هنا تستطيع عُمان أن تلعب دور "المحوّل الآمن"، لأنها تقف على طرف المضيق، وتحافظ على علاقات مع إيران والخليج والغرب، ولأن تجارة عُمان مع إيران ارتفعت أصلاً إلى أكثر من 1.3 مليار دولار في 2024. الركيزة الرابعة ربط الطاقة لا تصديرها فحسب. التجربة موجودة: مشروع دولفين ينقل الغاز من قطر إلى الإمارات وعُمان، ويؤمن جزءاً من احتياجات الكهرباء والمياه والصناعة. يمكن توسيع هذا النموذج من منطق خط واحد إلى منطق شبكة: ربط كهربائي أقوى، احتياطات غاز مشتركة للطوارئ، تخزين استراتيجي للوقود، وربط مراكز الطاقة المتجددة في الخليج. فالخطر الأكبر ليس فقط توقف ناقلة نفط، بل توقف الغاز الذي يشغل الكهرباء والتحلية والصناعة. في منطقة تعتمد مدنها على الطاقة لتحلية المياه وتبريد المباني وتشغيل الموانئ، يصبح أمن الطاقة جزءاً من أمن الحياة اليومية.
لكن العقبة الكبرى تبقى إيران. فأي اقتصاد مشترك يضم طهران يصطدم بثلاث مشكلات: العقوبات، الحرس الثوري، وانعدام الثقة. لن يضخ أي مستثمر أموالاً في منطقة يمكن أن تتحول بقرار عسكري إلى حقل ألغام. والدول الخليجية لن تقبل منح إيران دخلاً جديداً من المضيق إذا استُخدم لتمويل الصواريخ أو المسيرات أو الوكلاء. لذلك، يجب أن يكون أي انخراط إيراني مشروطاً بثلاثة قيود: شفافية مالية، حصر عائدات خدمات المضيق في حسابات مدنية مراقبة، وفصل إدارة الملاحة عن الأجهزة العسكرية. من دون ذلك، يتحول الاقتصاد المشترك إلى شرعنة للابتزاز بدلاً من أن يكون علاجاً له.
تجاوز هرمز
في المقابل، لا تستطيع دول الخليج أن تكتفي بمنطق "تجاوز هرمز": خطوط الأنابيب إلى البحر الأحمر والفجيرة ضرورية، لكنها لا تلغي الجغرافيا. بناء بدائل كاملة يحتاج سنوات واستثمارات ضخمة، ولا يحلّ مشكلة الغاز القطري، ولا تجارة الكويت والعراق، ولا الواردات اليومية. كما أن تحويل كل دولة إلى قلعة لوجستية منفردة يرفع الكلفة ويضعف التكامل. الأفضل هو الجمع بين مسارين: مسار الردع والتفادي، ومسار الإدارة المشتركة للمضيق.
سلطنة عُمان هي الوحيدة القادرة على تحويل الجغرافيا إلى وساطة دائمة. مسندم ليست هامشاً جغرافياً، بل شرفة على أهم ممر طاقة في العالم. يمكن تطوير خصب وصحار والدقم كمثلث لوجستي: خصب لخدمات السلامة والإنقاذ والرقابة البحرية، صحار للتجارة والصناعة، والدقم للعمق الاستراتيجي خارج المضيق. بذلك تصبح عُمان "ضامن تشغيل"، وتستفيد اقتصادياً من موقعها من دون أن تتحول إلى أداة في يد إيران أو الولايات المتحدة. أما الإمارات، فهي الأكثر استعداداً لترجمة الفكرة اقتصادياً، لأنها تملك البنية اللوجستية الأوسع في الخليج. فجبل علي وحده تعامل مع 15.5 مليون حاوية نمطية في 2024، والفجيرة تمنح أبوظبي منفذاً نفطياً خارج هرمز. لذلك تستطيع الإمارات قيادة الشق التجاري والتأميني، بشرط أن تعبر إيران عن ندمها الفعلي من استهداف الإمارات بالمسيرات والصواريخ أكثر من استهداف إيران، وأن تستطيع إعادة الثقة بها.
السعودية لا تطل مباشرة على المضيق كما عُمان وإيران والإمارات، لكنها صاحبة مصلحة نفطية. خط شرق–غرب يمنحها مرونة لا يملكها الآخرون، لكن مصلحة الرياض ليست في تجاوز هرمز، بل في منع إيران من احتكار تعريف قواعده. لذلك يمكن أن تكون الممول الأكبر لصندوق استقرار الملاحة، وأن تربط ذلك بأمن الطاقة الآسيوي، خصوصاً مع الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، وهي الأسواق الأكثر تعرضاً لأي أزمة في المضيق.
هل يولد من ذلك "اقتصاد مشترك"؟ نعم، إذا فُهم الاقتصاد المشترك كطبقات لا كقفزة واحدة. الطبقة الأولى خلال 90 يوماً: تثبيت ممرات آمنة، إزالة الألغام، عودة نظام فصل حركة المرور، وخفض التأمين. الطبقة الثانية خلال سنة: صندوق مخاطر، ممرات جمركية للسلع الأساسية، منصة بيانات للسفن، واتفاق عدم تعطيل للملاحة. الطبقة الثالثة خلال ثلاث سنوات: استثمارات مشتركة في الموانئ والتخزين والطاقة والربط الكهربائي والغازي. عندها يصبح هرمز منطقة مصالح متشابكة لا مجرد خط تماس. لكن الفشل ممكن أيضاً. سيفشل المشروع إذا طالبت إيران برسوم عبور سياسية، أو إذا أصرّت دول الخليج على استبعادها كلياً، أو إذا تعاملت واشنطن مع المضيق كأداة ضغط فقط، أو إذا حولته الصين إلى ورقة نفوذ منفردة. وسيفشل قبل ذلك إذا بقي الأمن البحري في يد العسكريين وحدهم. فالمطلوب ليس نزع السياسة من المضيق، فهذا مستحيل، بل تقييد السياسة بقواعد اقتصادية تجعل التعطيل خسارة لا مكسباً.
نبض