بين الحجاز وإسطنبول.. قطار التاريخ يُعيد الشدّ على قضبانه ويفتح آفاقاً اقتصادية لآسيا وأوروبا

اقتصاد وأعمال 11-06-2026 | 15:43

بين الحجاز وإسطنبول.. قطار التاريخ يُعيد الشدّ على قضبانه ويفتح آفاقاً اقتصادية لآسيا وأوروبا

مذكرتا تفاهم سعودية-تركية تُعيدان إلى الواجهة مشروعاً توقف منذ قرن، وتفتحان الباب أمام ممرّ بري يعيد رسم خريطة التجارة بين الخليج وأوروبا

بين الحجاز وإسطنبول.. قطار التاريخ يُعيد الشدّ على قضبانه ويفتح آفاقاً اقتصادية لآسيا وأوروبا
صورة لأحد قطارات خط سكة حديد الحجاز (أ ف ب)
Smaller Bigger

قبل أكثر من قرن من الزمن، كان البخار يتصاعد من قاطرات تشقّ صحراء الحجاز متجهةً شمالاً نحو دمشق ثم إلى إسطنبول. كان خط سكة حديد الحجاز، الذي افتُتح عام 1908 في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، يحمل الحجاج والبضائع والبريد عبر آلاف الكيلومترات، واصلاً في ذلك الزمن ما يبدو اليوم أمة مجزأة بالحدود.

 

لكن الحرب العالمية الأولى، ثم الاضطرابات التي أعقبتها، حوّلت هذا الشريان إلى حطام مبعثر تحت الرمال. وظل الخط لعقود أثراً تاريخياً أكثر منه مشروعاً حياً، حتى جاء يوم الثلاثاء 9 حزيران/يونيو 2026.

 

الرياض، التاسع من حزيران/يونيو 2026

في العاصمة السعودية، وقّع وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي صالح الجاسر ونظيره التركي عبد القادر أورال أوغلو مذكرتَي تفاهم: الأولى تخص التعاون في قطاع السكك الحديدية بين وزارة النقل في تركيا والهيئة العامة للنقل السعودية، والثانية تتعلق بالخدمات اللوجستية بين وزارتَي النقل في البلدين.

 

المشروع الذي تُحييه هذه الاتفاقيات يقوم على إعادة تأهيل وتطوير شبكة سكك حديدية تربط تركيا بالمملكة العربية السعودية عبر الأراضي السورية والأردنية، بمسار يتجاوز 3000 كيلومتر من الرياض حتى إسطنبول. وتُركّز المرحلة الأولى على ربط وتحديث شبكات القطارات بين تركيا وسوريا والأردن، فيما تمتد شبكة السكك الحديدية السعودية حالياً إلى الحدود الأردنية عبر منفذ الحديثة، الذي سيتكامل مستقبلاً مع الشبكة القادمة من الشمال.

 

وأكد الجاسر أن الدراسات المشتركة لجدوى المشروع ستُستكمل بحلول نهاية عام 2026.

 

حدد وزير النقل التركي عبدالقادر أوغلو، الموعد الزمني لإنهاء تنفيذ مشروع الربط السككي بين السعودية وتركيا، في غضون الأعوام الثلاثة المقبلة، متوقعاً أن يشمل امتداد المشروع القارة الأوروبية.

 

وقال وزير النقل التركي، في تصريحات تلفزيونية عقب التوقيع، إن تفاصيل التكلفة المالية لربط السكك الحديدية بين الرياض وأنقرة ستتضح قريباً، ومرجحاً دخول العراق وبقية دول الخليج ضمن المشروع.

 

وأشار إلى أن مشروع الربط السككي السعودي التركي ينطلق من السعودية مروراً بالأردن إلى سوريا وصولاً إلى تركيا، ومؤكداً أن السعودية أنهت شبكة الخطوط الحديدية التي تصل إلى الحدود الأردنية، كما وصلت تركيا إلى الحدود السورية ويتبقى الشطران الأردني والسوري.

 

وزيرا النقل في السعودية وتركيا عند توقيع الاتفاقيات (وزارة النقل السعودية))
وزيرا النقل في السعودية وتركيا عند توقيع الاتفاقيات (وزارة النقل السعودية))

 

 

أكثر من قطار

يرى جوزيف سالم، شريك ومسؤول ممارسات قطاع السفر والنقل والضيافة في شركة "آرثر دي ليتل" (Arthur D. Little) للشرق الأوسط، أن ما حدث في الرياض يتجاوز توقيع اتفاقيات:

 

"يشكل إحياء سكة حديد الحجاز واحداً من أبرز مشاريع البنية التحتية في التاريخ الحديث للمنطقة. كما أن مذكرتي التفاهم الموقعتين في الرياض بين السعودية وتركيا — إحداهما للخدمات اللوجستية والأخرى لتكنولوجيا السكك الحديدية — تقربان المشروع خطوة إضافية نحو التنفيذ."

 

ويضيف سالم: "وجود خط عامل من شأنه أن يوفر للخليج ممراً تجارياً برياً مباشراً إلى أوروبا، بما يحدّ من الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، في وقت أصبحت فيه مرونة سلاسل التوريد أولوية استراتيجية متزايدة".

 

غير أنه يُحذّر من أن "التحدي الأهم يظل في التنفيذ، سواء على مستوى التمويل، أو استقرار مسارات العبور، أو تحويل دراسات الجدوى إلى استثمارات فعلية".

 

وفي هذا السياق، يتشكّل في المنطقة نظام نقل ضخم موازٍ: قطار الخليج الذي تجاوز نسبة إنجازه 50%، بطول إجمالي 2,117 كيلومتراً يربط الكويت بمسقط، مع تشغيل كامل مستهدف بحلول 2030. الإمارات قطعت الشوط الأبعد بإطلاق خدمات ركاب اتحاد القطارات عام 2026، فيما تُطلق السعودية مناقصات تصميم قطاعها البالغ 672 كيلومتراً، وتبدأ الكويت بإنشاء خطها الحدودي. يجعل ذلك من ربط شبكة الخليج بخط الحجاز امتداداً طبيعياً لمنظومة إقليمية بالفعل في طور النضج.

 

(مخطط قطار الخليج (هيئة السكك الحديدية الخليجية
(مخطط قطار الخليج (هيئة السكك الحديدية الخليجية

 

لماذا الآن؟

لا يُمكن قراءة هذا المشروع بمعزل عن المشهد الجيوسياسي الإقليمي. فمنذ عام 2023، عطّلت هجمات الحوثيين في اليمن حركة السفن التجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مما أجبر شركات الشحن الكبرى على الدوران حول رأس الحسن الأفريقي، مضيفةً أسابيع وتكاليف إضافية إلى رحلاتها. وتُضاف إلى ذلك التوترات المتصاعدة بين إيران والغرب في مضيق هرمز.

 

في هذا السياق، لا يرى الدكتور علي الحازمي، المحلل الاقتصادي وعضو جمعية الاقتصاد الأميركية، أن المشروع مجرد ربط بالسكك الحديدية؛ بل يصفه بأنه "إعادة هندسة للتجارة على نطاق واسع". ويقول الحازمي إن الخط البري اللوجستي الذي يربط الخليج بتركيا ثم أوروبا "أمر بالغ الأهمية سواء كبديل أو كمكمّل"، لا سيما في ظل الاضطرابات المتكررة في البحر الأحمر جراء التهديدات الحوثية وما يشهده مضيق هرمز من توترات. ويُضيف أن المشروع "سيُسهم بشكل كبير في خفض أوقات العبور، وسيرفع موثوقية سلاسل الإمداد"، وربما يُحوّل المملكة العربية السعودية من سوق نهائي إلى عقدة ربط وعبور وإعادة تصدير بين آسيا وأوروبا.

 

د. علي الحازمي عضو جمعية الاقتصاد الأميركية
د. علي الحازمي عضو جمعية الاقتصاد الأميركية

 

الخليج بوصفه كتلة لوجستية

يُضيف الحازمي بُعداً أوسع للصورة، إذ يرى أن المشروع سيُحوّل الخليج من ست دول متجاورة إلى كتلة لوجستية متكاملة، ويرفع التجارة البينية، ويخفض تكاليف النقل البري، ويدعم الموانئ والمناطق الاقتصادية والصناعية والتصديرية. وسيمنح المملكة موقعاً يمكن تسميته "المجمّع اللوجستي" الذي يستقطب شحنات الخليج ويُوجّهها شمالاً نحو تركيا وأوروبا.

 

ويستند الحازمي إلى أن المملكة العربية السعودية تُمثّل العمود الجغرافي الفاصل بين الخليج والشمال، مشيراً إلى أن مشروع قطار الخليج مُخطَّط له أن يمتد لأكثر من ألفي كيلومتر من الكويت مروراً بالسعودية والبحرين وقطر وصولاً إلى عُمان، مع حصة سعودية تتجاوز 670 كيلومتراً. وقد رصدت المؤشرات الاقتصادية في السنوات الأخيرة ارتفاعاً لافتاً في أرقام إعادة التصدير السعودية، يُعزى جزء منه إلى تطور قطاع الخدمات اللوجستية ضمن أهداف رؤية 2030.

 

وتكشف بيانات الهيئة العامة للإحصاء (جاستات) عن تسارع لافت في إعادة التصدير السعودية؛ إذ قفزت من 32.3 مليار ريال (8.6 مليار دولار) عام 2017 إلى 148.9 مليار ريال (39.7 مليار دولار) عام 2025، بنمو بلغ 361% في ثماني سنوات. والأبرز أن حصتها من الصادرات غير النفطية ارتفعت من 16.7% إلى 40.7% خلال الفترة ذاتها، ما يجعل إعادة التصدير اليوم ركيزة استراتيجية لا هامشاً تجارياً.

 

 

 

 

إعادة رسم التوازنات الإقليمية

لكن الأثر لن يقتصر على الاقتصاد وحده. يرى الدكتور نيل كويليام، المدير العام لشركة أزور  للاستشارات، أن المشروع قد يُعيد رسم التوازن الإقليمي من خلال "إحياء ممر أقدم وإيلاء أهمية جديدة للربط البري على حساب المسارات البحرية القائمة". وسيضع ذلك كلاً من المملكة العربية السعودية وتركيا في مركز الثقل لخط الربط بين الخليج وأوروبا، "ما قد يُبعد الثقل الاقتصادي واللوجستي عن الترتيبات التي أشركت إسرائيل والإمارات منذ اتفاقيات التطبيع، إذ لن تحتاج التجارة بعد الآن إلى المرور عبر تلك القنوات".

 

ويذهب كويليام أبعد من ذلك، إذ يُشير إلى أن خطاً برياً فاعلاً سيُقلّص الاعتماد على الممرات البحرية المرتبطة بميناء جبل علي وعلى المضائق القريبة من إيران، "ما قد يُضيّق النطاق الذي تستفيد فيه كل من الإمارات وإيران من تدفقات التجارة الراهنة".

 

ويرى كويليام أيضاً أن المشروع قد يُشجّع على تعاون أوثق بين دول مجلس التعاون، "ما يُضيف ثقلاً إلى مكانة المملكة العربية السعودية داخل المجموعة". أما على الصعيد الإقليمي الأشمل، فيرى أن الممر قد يدعم "بروز ممر إقليمي أكثر تماسكاً يربط آسيا بأوروبا، ويُسهم في تنمية اقتصادات سوريا والأردن"، مُعزِّزاً الثقل الجماعي للدول المشاركة في "التأثير على الربط الإقليمي وتحديد التوجه السياسي للمنطقة".

 

 

د. نيل كويليام المدير العام لشركة أزور للاستشارات
د. نيل كويليام المدير العام لشركة أزور للاستشارات

 

 

العقبات لا تزال قائمة

لا تُخفي المعطيات وجود تحديات جوهرية. فالمسار يمر عبر الأراضي السورية التي لا تزال تشهد مرحلة إعادة بناء مؤسسي هشّة بعد سنوات الحرب. كما أن توحيد المواصفات التقنية لشبكات السكك الحديدية في أربع دول — تركيا وسوريا والأردن والسعودية — يمثل تحدياً هندسياً وتنظيمياً معقداً.

 

ويُلخّص سالم هذه المعادلة بقوله: "تنبع أهمية هاتين المذكرتين من كونهما تتناولان الركائز الأساسية لأي مشروع سكك حديدية عابر للحدود، بما يشمل توحيد المواصفات التقنية، ومعايير الإشارات، والمواءمة التنظيمية". ويُردف: "إذا ما توافرت هذه المقومات، فقد تستعيد سكة حديد الحجاز مكانتها خلال العقد المقبل بوصفها أحد أهم الممرات البرية الاستراتيجية التي تربط بين أوروبا والخليج".

الأكثر قراءة

لبنان 6/10/2026 5:22:00 AM
من لا يزال حليف "حزب الله" في الساحة السياسيّة السنيّة؟
لبنان 6/10/2026 7:00:00 AM
صباح الخير من "النهار"...

إليكم أبرز الأخبار والتحليلات لليوم الأربعاء 10 حزيران/ يونيو 2026
فن ومشاهير 6/8/2026 12:00:00 PM
تفاصيل مفاجئة حول إلقاء القبض على الإعلامية المصرية جولي أمين داخل إدارة المرور أثناء محاولتها نقل ملكية سيارة تابعة لصبري نخنوخ، وتطورات التحقيقات في القضية.