أزمة هرمز في مطبخي: ارتفاع أسعار البلاستيك والألمنيوم!
في مساء عادي، تقف ربّة المنزل في المطبخ، تفتح درج الأدوات بحثاً عن لفافة رقائق الألمنيوم أو كيس نايلون لتخزين الطعام، فتكتشف من الملصق السعري أن التكلفة ارتفعت مجدداً. الزيادة قد تبدو بسيطة، لكنها تتكرر في كل زيارة إلى السوبرماركت، حيث يتحمّل رب الأسرة العبء الأكبر في ضبط الإنفاق اليومي. ما لا يظهر على الرفوف هو أن هذه الفاتورة تبدأ من مكان بعيد: مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره نحو 20 مليون برميل نفط يومياً، أي ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً.

المشكلة أن الأمر ليس صدفة!
هذا الممر البحري لا ينقل النفط فقط، بل يمر عبره أيضاً نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، إضافة إلى كميات كبيرة من المواد البتروكيميائية والأسمدة. ومع تصاعد التوترات المحيطة بالمضيق إثر اندلاع حرب إيران في عام 2026، ارتفع سعر النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، لتبدأ سلسلة من الزيادات تمتد من المصانع إلى رفوف المتاجر.
الصدمة الأولى تظهر في المعادن. بلغ سعر الألمنيوم نحو 3,492 دولاراً للطن، وهو أعلى مستوى في أربع سنوات. وتنتج بلدان الخليج نحو سبعة ملايين طن سنوياً، أي قرابة تسعة في المئة من الإنتاج العالمي، وتصدّر نحو 75% منه. ومع اضطراب الإمدادات، ارتفعت تكلفة المادة الخام، ما انعكس مباشرة على منتجات بسيطة تعتمد عليها الأسر في مطابخها، مثل رقائق الألمنيوم.
القصة لا تتوقف هنا
يظهر الأثر الأوسع في البلاستيك. تعتمد المواد المستخدمة في "النايلون" وأكياس التجميد وعبوات المياه والمنظفات على مشتقات النفط. وتشير تقديرات إلى أن الشرق الأوسط يوفّر حصة كبيرة من صادرات البولي إيثيلين العالمية تقارب 40%. ومع الأزمة الأخيرة، ارتفعت أسعار البولي إيثيلين والبولي بروبيلين بنحو 30 إلى 40% خلال أسابيع، نتيجة ارتفاع التكلفة واضطراب الإمدادات المرتبطة بالمنطقة.
كذلك تأثّرت تدفقات مواد أولية أساسية مثل النافثا، إذ باتت نحو 1.2 مليون برميل يومياً عرضة إلى الاضطراب، في وقت قفزت هوامش تكريرها في آسيا من نحو 108 دولارات للطن إلى أكثر من 400 دولار. والنتيجة واضحة في تفاصيل الحياة اليومية: كل ما هو "بلاستيكي" يصبح أغلى، من أكياس القمامة إلى عبوات الطعام.

بعد ذلك يأتي الأثر الأبطأ – لكن الأثقل!
يمر عبر مضيق هرمز نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية. ومع ارتفاع أسعار الطاقة، قفزت أسعار اليوريا بنحو 46% خلال شهر واحد. هذا النوع من الارتفاع لا يظهر فوراً في الأسواق، لكنه يرفع تكلفة الإنتاج الزراعي، ما يعني ضغوطاً لاحقة على أسعار الغذاء.
بالتوازي، ترتفع تكلفة النقل والتبريد والتخزين، ما يضيف طبقة جديدة من التضخم. وفي سياق عالمي يشهد أصلاً ضغوطاً تضخمية غذائية، إذ تجاوز تضخم الغذاء 5% في عدد كبير من البلدان، تأتي هذه التطورات لتزيد من حدّة الاتجاه.
في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تبدو الصورة أكثر حساسية. المنطقة من بين المناطق الأكثر اعتماداً على استيراد الغذاء، ولاسيما الحبوب. وتشير تقديرات إلى أن نحو 66 مليون شخص يعانون من نقص التغذية، فيما يواجه قرابة 40% من السكان مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي. ومع أي اضطراب في التجارة العالمية، تتضاعف الضغوط على هذه البلدان، وتصبح الأسر في الخط الأول لمواجهة هذه الزيادات.
لبنان مثال واضح
يعتمد لبنان على الاستيراد في معظم احتياجاته الغذائية، ما يجعل أي ارتفاع في تكلفة الشحن أو المواد الأولية ينعكس سريعاً على الأسعار المحلية، في ظل قدرة شرائية محدودة. وفي كل مرة ترتفع فيها الأسعار، تضطر الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها الغذائية – بهدوء، لكن بثمن واضح.
ما يجعل هذه الأزمة مختلفة هو أنها تتحرك على مرحلتين: أثر سريع يظهر في المعادن والبلاستيك، وأثر أبطأ لكن أعمق يصل إلى الغذاء. وهكذا، تتحول الجغرافيا السياسية إلى واقع يومي ملموس داخل المطبخ.
في النهاية، لا تحتاج ربّة المنزل إلى متابعة أسواق النفط لفهم ما يجري. يكفي أن تنظر إلى فاتورة التسوّق. من لفافة الألمنيوم إلى كيس النايلون إلى طبق السلطة، كلها تحمل بصمة مضيق هرمز.
المسافة بين هرمز والمطبخ لم تعد بعيدة كما نظن.
نبض