القمة العالمية للحكومات 2026: الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف دور الدولة… وتحولات جيوسياسية ترسم ملامح النظام العالمي الجديد
انطلقت في إمارة دبي، اليوم الثلاثاء، فعاليات القمة العالمية للحكومات 2026 تحت شعار "استشراف حكومات المستقبل"، وسط مشاركة واسعة من قادة دول ومسؤولين دوليين وصنّاع قرار وخبراء، لمناقشة مستقبل الحوكمة في ظل التحولات الاقتصادية والتقنية والجيوسياسية المتسارعة.
القرقاوي: العالم على أعتاب تحوّل غير مسبوق
في كلمة الافتتاح، ركز رئيس القمة العالمية للحكومات محمد القرقاوي على التحوّلات العميقة التي يشهدها العالم، معتبراً أن الذكاء الاصطناعي هو المحرّك الأساسي لإعادة تشكيل مستقبل الحكومات والمجتمعات.
ولفت إلى أن العالم يقف أمام مرحلة تاريخية جديدة من التطور التكنولوجي، وإلى أن قدرات الذكاء الاصطناعي مرشّحة للارتفاع بمقدار مليون مرّة خلال السنوات المقبلة، وأنه سينتقل من كونه أداة داعمة للإنسان إلى مرحلة يصبح فيها قادراً على اتخاذ القرار، وهو ما سيُحدث تغييرات جذرية في مختلف القطاعات.
وأوضح أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي ستطاول مجالات حيوية، من الطب المتقدّم القادر على الاكتشاف المبكر للأمراض، إلى توسيع قدرات الإنسان عبر تقنيات متطورة مثل زرع الشرائح الذكية في الدماغ، إضافة إلى نشوء بيئات رقمية جديدة ستغيّر مفاهيم العمل والتعليم والخدمات العامة.
وشدّد على أن هذه التحولات تفرض على الحكومات الانتقال من منطق الإدارة إلى منطق الاستباق، معتبراً أن الحكومات التي لا تعيد تصميم أنظمتها وفق سرعة التغيير مهدّدة بالتراجع أو الاندثار.
وفي سياق متصل، لفت إلى الدور المتنامي لـجيل "زد" الذي سيشكّل خلال عقد واحد نحو 40 في المئة من صانعي القرار عالمياً ويمثل قوة ضغط إيجابية باتجاه مزيد من الشفافية والابتكار.
وختم القرقاوي بالتأكيد أن خدمة الإنسان ستبقى جوهر العمل الحكومي، لكن التحدي الحقيقي يكمن في إعادة تعريف هذا الدور بعد التحوّل الجذري في طبيعة الإنسان نفسه، وهو السؤال المحوري الذي ستناقشه القمة خلال أيامها.

قرقاش: لا نريد مواجهة جديدة في المنطقة
وفي محور الجيوسياسة، شدّد المستشار الديبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أنور قرقاش على أن المنطقة لا تتحمل مواجهات جديدة، داعياً إلى حلّ الملفات الإقليمية عبر الحوار والتسويات.
وأكد في جلسة حوارية مع وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو، أن على إيران التوصل إلى اتفاق يتيح لها إعادة بناء اقتصادها، مشدداً على ضرورة بحث القضايا الأساسية، وفي مقدّمها البرنامج النووي.
وشدد على أن الإمارات ستبقى قوة محورية في المنطقة، وستواصل مواجهة التطرّف، ودعم مسارات السلام، سواء عبر اتفاقات إبراهام أم عبر مبادرات إقليمية ودولية أخرى.
وفي قراءة للمشهد الإعلامي، ميّز قرقاش بين "الضجيج" على وسائل التواصل الاجتماعي والواقع الفعلي، مشيراً إلى دور الحسابات الوهمية في تضخيم الحملات السلبية، ومستشهداً بتراجع مفاجئ في حجم التغريدات المعادية بعد انتقال هذه الحسابات من ملف إلى آخر.
وفي ما خص غزة، نفى ما يُتداول عن تولّي الإمارات إدارة القطاع، مؤكداً أن دورها إنساني بالدرجة الأولى، وأنها شكّلت 45 في المئة من إجمال المساعدات الإنسانية المقدّمة إلى غزة خلال عامين، بالتنسيق مع الأطراف المعنية.
بومبيو: السلام يمر عبر النمو الاقتصادي
وتناول بومبيو، في جلسة بعنوان "إعادة ضبط الجغرافيا السياسية" ، موقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في النظام العالمي المتغيّر، مؤكداً أن النمو الاقتصادي هو الطريق الفعلي لتحقيق السلام.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة لم تعد معنية باتخاذ قرارات بالنيابة عن الدول الأخرى، مع التشديد في الوقت نفسه على استمرار الشراكات مع الحلفاء في الخليج وأوروبا، ضمن مقاربة تقوم على تحمّل كل دولة مسؤولية أمنها.
وتطرّق إلى الوضع في سوريا، معرباً عن أمله في أن يقود الرئيس السوري أحمد الشرع البلاد نحو الاستقرار، وأن يتمكّن من إعادة ملايين اللاجئين، رغم تعقيدات المرحلة وتحديات الماضي.
أبو الغيط ودور الجامعة العربية
وفي سياق متصل، اعتبر الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، أن "الجامعة تتعامل مع الأزمات العربية عبر اجتماعاتها الدورية وقراراتها التوافقية، إلا أن دورها يبقى مقيّداً بإرادات الدول المنخرطة في النزاعات، والتي غالباً ما ترفض أي تدخل أو وساطة مباشرة".
وفي ظل التعقيدات الداخلية والتدخلات الخارجية وتشابك العلاقات العربية، رأى أن من الأنسب إسناد الدور القيادي الى الأمم المتحدة، على أن تواكب الجامعة العربية هذه الجهود بدور داعم ومساند.
الاقتصاد والأسواق: الخليج في موقع تنافسي متقدم
من جهة أخرى، اعتبرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا أن "المنافسة في أسواق رأس المال الخليجية مشروعة وتعكس قوة هذه الاقتصادات الناشئة"، مشددة على أن المرحلة المقبلة تتطلب تجاوز الخلافات وبناء رؤية عالمية مشتركة.
وفي السياق ذاته، أكد وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر بساط لـ"النهار" أهمية مشاركة لبنان في القمة، لافتاً إلى أن التحولات التكنولوجية تمثّل فرصة وتحدياً في آن واحد، ما يستدعي سياسات حكومية توازن بين تحفيز الإنتاجية وحماية سوق العمل.

البعد الإنساني: التكنولوجيا لخدمة الأطفال
وفي بعدٍ إنساني، شددت مديرة "اليونيسف" لدول مجلس التعاون الخليجي لنا الوريكات، في حديث إلى "النهار" ، على أن أجندة المنظمة تركز على الأطفال واليافعين والعائلات الهشّة، خصوصاً في مناطق النزاع، وقالت: "نعمل مع حكومات دول الخليج العربي ومنها الإمارات في مجال توظيف الذكاء الاصطناعي لحماية الأطفال وتحسين التعليم والصحّة، لأن التكنولوجيا مهمّة جدّاً في تحسين التقديمات الاجتماعية للعائلات، لكن يجب أن نتذكّر أن هناك دولاً كثيرة لا تملك وصولاً للتقنيات، وهذا يمكن أن يزيد من الفجوة وعدم المساواة".
الاستثمار في سوريا: قانون جديد ورسائل طمأنة
وفي مقابلة مع "النهار"، أعلن رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي أن "سوريا أصدرت قانوناً استثمارياً جديداً يُصنّف ضمن أفضل عشرة قوانين استثمارية عالمياً، موفّراً ضمانات واسعة للمستثمرين، وحق التملّك الكامل، مع تسجيل 56 مليار دولار استثمارات عام 2025 في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والطيران". كذلك أتاح القانون بحسب الهلالي، لصاحب المشروع "إمكان استقطاب ما يصل إلى 40 في المئة من اليد العاملة الأجنبية غير السورية، وهو بند بالغ الأهمية في المرحلة الراهنة، خصوصاً في ظل وجود شريحة واسعة من السوريين خارج البلاد. ويُعدّ هذا الإجراء أحد الركائز الأساسية التي ساهمت في جذب الاستثمارات، وخصوصاً من دول الخليج".
وتستمر القمة حتى 5 شباط/فبراير الجاري، مع برنامج حافل بالجلسات والمبادرات، إضافة إلى تقديم أربع جوائز عالمية، أبرزها جائزة أفضل وزير في العالم والجائزة العالمية للحكومة الأكثر تطوراً، في مرحلة يصفها الخبراء بأنها الأكثر تأثيراً في تاريخ الإدارة العامة.
نبض