الأسواق تتجاهل القلق العالمي....
رغم تصاعد حالة عدم اليقين العالمي من توترات جيوسياسية، وسياسات أميركية غير متوقعة، ومخاوف المناخ، وضغوط على استقلالية البنوك المركزية، تواصل أسواق الأسهم العالمية التحرك قرب قممها التاريخية، في مفارقة أربكت المستثمرين!
فمن الناحية النظرية، يُفترض أن تكره الأسواق عدم اليقين. لكن الواقع في مطلع 2026 يعكس صورة مختلفة: مؤشرات الخوف مثل VIX وMOVE لاتزال خاملة، بينما ترتفع الأسهم الأميركية والأوروبية واليابانية وحتى الناشئة.
هل تتجاهل الأسواق المخاطر؟
يطرح هذا السلوك ثلاثة تفسيرات رئيسية، كما أشار ستيوارت كيرك في "فايننشال تايمز"، وهي تفسيرات تنطبق أيضاً على المشهد الحالي:
أولاً: المخاطر السياسية والمناخية أقل تأثيراً مما يُتصوّر
الأسواق لا تتحرك وفق حجم العناوين، بل وفق تأثيرها الفعلي على النمو والأرباح. وحتى الآن، لم تُترجم المخاوف الجيوسياسية أو سياسات ترامب إلى ركود اقتصادي حقيقي، ما جعل تأثيرها على تسعير الأسهم محدوداً مقارنة بعوامل مثل:
-النمو الاقتصادي
يُعدّ النمو الاقتصادي المحرك الأساسي لسلوك الأسواق على المديين المتوسط والطويل. فطالما ظلّ الاقتصاد الحقيقي قادراً على توليد النشاط، تبقى شهية المخاطرة قائمة. في مطلع 2026، لايزال النمو مدعوماً بعوامل عدة، أبرزها قوة الإنفاق الاستهلاكي، واستقرار سوق العمل، واستمرار النشاط في قطاعات الخدمات والصناعة.
الأسواق لا تبحث عن نمو استثنائي، بل عن غياب الركود، وهو ما يفسر قدرتها على تجاهل التوترات السياسية طالما لم تُترجم إلى انكماش اقتصادي فعلي.
-أرباح الشركات
تُسعّر الأسهم في جوهرها تدفقات نقدية مستقبلية، لا عناوين إخبارية. واستمرار نمو أرباح الشركات، حتى بوتيرة معتدلة، يمنح التقييمات الحالية مبرراً منطقياً.
في المرحلة الحالية، يتميز المشهد باتساع قاعدة الأرباح لتشمل قطاعات متعددة، وليس فقط شركات التكنولوجيا الكبرى، مع تحسن الكفاءة التشغيلية، وضبط التكاليف، وارتفاع الإنتاجية.
هذا الاتساع يقلل من هشاشة السوق، ويجعل الارتفاعات أقل اعتماداً على أسماء محددة.
اقرأ أيضا: اقتصاديات ترامب في سنة: تعريفٌ جديد للقوة
-التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
يشكل الذكاء الاصطناعي أحد أهم روافع التفاؤل في الأسواق العالمية. فبعيداً عن كونه موجة مضاربية، يُنظر إليه كمحرّك هيكلي لرفع الإنتاجية، وخفض التكاليف، وتحسين هوامش الربحية عبر مختلف القطاعات.
الأسواق تراهن على أن تبني الذكاء الاصطناعي سيُترجم إلى نمو أرباح مستدام، حتى في بيئة نمو اقتصادي معتدل، وهو ما يبرر استمرار تدفق الاستثمارات نحو الأسهم المرتبطة بالتكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية.
-التركيبة السكانية والسيولة
تلعب العوامل الديموغرافية ومستويات السيولة دوراً أقل ظهوراً، لكنها شديدة التأثير. فاستمرار مشاركة الأجيال الشابة في أسواق المال، إلى جانب تراكم الثروات لدى الفئات الأكبر سناً، يعزز الطلب الطويل الأجل على الأصول المالية.
في الوقت نفسه، ورغم التشديد النقدي السابق، لا تزال السيولة العالمية مرتفعة نسبياً، ومع محدودية العوائد الحقيقية في بعض أدوات الدخل الثابت، تجد هذه السيولة طريقها إلى أسواق الأسهم بحثاً عن العائد.
ثانياً: المخاطر مُسعَّرة بالفعل
من منظور كفاءة الأسواق، قد تكون تكلفة رأس المال الأعلى نتيجة سياسات ترامب أو تصاعد التوترات قد انعكست مسبقاً في التقييمات. وبالتالي، فإن أي تهدئة مستقبلية أو خروج هذه العوامل من المشهد قد يشكل عامل دعم إضافياً للأسهم.
ثالثاً: الإفراط في التفاؤل
وهو التفسير الأكثر تشاؤماً: أن المستثمرين باتوا أقل حساسية للمخاطر، مدفوعين بالحماسة حيال الذكاء الاصطناعي وطفرة الإنتاجية، ما جعلهم يتجاهلون الجانب السلبي لأي تطور سياسي أو اقتصادي.
الأسواق لا تتجاهل القلق العالمي لأنها لا تراه، بل لأنها تُعيد ترتيب الأولويات..
فطالما بقي النمو الاقتصادي قائماً، واستمرت أرباح الشركات في التحسن، وظلت السيولة متدفقة، سيبقى التركيز موجّهاً نحو العوامل القابلة للقياس لا العناوين الصاخبة، لكن هذا التجاهل ليس بلا ثمن. فارتفاع التقييمات، وتراكم المخاطر الجيوسياسية، والاعتماد المتزايد على التفاؤل المرتبط بالتكنولوجيا، قد تخلق فجوة خطرة بين الواقع والتسعير. الأسواق اليوم متفائلة… لكنها هشة. وأي صدمة تمسّ أحد أعمدة هذا الصعود قد تعيد تسعير المخاطر بسرعة وبحدة.
نبض