اقتصاديات ترامب في سنة: تعريفٌ جديد للقوة
بعد سنة على عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تبدو السياسة الاقتصادية الأميركية أقلّ شبهاً بحزمة تقليدية من الضرائب والإنفاق، وأكثر شبهاً بأداة قوة شاملة تُدَار بثلاث روافع مترابطة: الرسوم الجمركية، وخفض الضرائب عبر "المصالحة التشريعية"، وتسريع إصدار التنظيمات/ التراخيص في مجالات الطاقة والبنية التحتية. هذه المقاربة لا تُقَاس فقط بالنمو والتضخم، بل أيضاً بمدى قدرتها على إعادة تشكيل سلاسل الإمداد وحوافز الاستثمار وموازين التفاوض مع الشركاء.
أولى الإشارات جاءت من التجارة: أعلن البيت الأبيض باكراً فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 25 في المئة على الواردات من كندا والمكسيك، و10 في المئة على الواردات من الصين، قبل تعميمها وتعديلها لاحقاً، مع تحديد هدف سياسي واضح يتجاوز التجارة نفسها، ارتبط بالفنتانيل والهجرة غير النظامية. اقتصادياً، هذه الصيغة تجعل "الرسم الجمركي" أداة ضغط دائمة وليس مجرد تصحيح لعجز تجاري، ما يزيد ضبابية التكاليف أمام الشركات، ويجعل قرارات التسعير والاستثمار أكثر حذراً، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على المدخلات المستوردة. وتزداد حساسية الأثر عندما تستهدف الرسوم سلعاً استهلاكية أو صناعات ذات سلاسل إمداد معقّدة (مثل السيارات)، لأنّ انتقال التكلفة يمكن أن يصل سريعاً إلى المستهلك أو يُمتَص عبر هوامش الأرباح واستبدال المورّدين.

الرافعة الثانية كانت مالية بامتياز: في 4 تموز (يوليو) 2025 وُقّع "القانون الكبير والجميل الواحد" بوصفه القانون العام الرقم 119-21، عبر مسار المصالحة (آلية في الكونغرس لتمرير قوانين الضرائب والإنفاق ورفع سقف الدين بأغلبية بسيطة في مجلس الشيوخ، تساوي 51 صوتاً من دون الحاجة إلى 60 صوتاً لتجاوز التعطيل). يتضمن القانون خفضاً ضريبياً، وتغييرات في الإنفاق، ورفعاً لسقف الدين، بينما تؤكّد إرشادات مصلحة الضرائب بدء سريان أجزاء ضريبية من عام 2025. الصورة الكليّة هنا ليست خفضاً للضرائب فقط، بل تثبيت لجزء كبير من هندسة التخفيضات السابقة وتوسيعها بآليات انتقائية، مع تكلفة كبيرة ستترتب على الإيرادات على مدى عقد من الزمن، وفق تقديرات مؤسسات تحليلية متخصصة في الضرائب. أما الأثر قريب الأجل فيُرجَّح أن يكون دعماً للطلب والاستهلاك لدى بعض الشرائح. لكن الثمن هو اتساع العجز إن لم تُعادَل التخفيضات بخفض فعليّ وقابل للاستدامة في الإنفاق.
أما الرافعة الثالثة فكانت "اقتصاد العرض" عبر التنظيم والتراخيص: في 20 كانون الثاني (يناير) 2025 صدر الأمر المسمّى "إطلاق العنان للطاقة الأميركية"، وترافق مع خطوات فيدرالية باتجاه إعادة ضبط قواعد المراجعة البيئية بما قد يختصر زمن الترخيص الخاصّ بمشاريع الطاقة والبنى التحتية الكبرى. وتقترح الإدارة تعديل قاعدة "المادة 401" من قانون المياه النظيفة للحدّ من قدرة الولايات على تعطيل مشاريع الطاقة والبنية التحتية. هذه القرارات تُقرَأ اقتصادياً كرهان على زيادة المعروض (الطاقة، الشبكات، التعدين، ممرات النقل) لتخفيف الاختناقات التي ترفع الأسعار وتكبح الاستثمار، خصوصاً في لحظة تسعى فيها الولايات المتحدة إلى كهرباء إضافية، ومكونات استراتيجية، لتغذية موجة مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
خلاصة السنة الأولى: ترامب لم يتعامل مع الاقتصاد كميزانية سنوية فحسب، بل كمنظومة نفوذ، تُرفَع فيها الرسوم الجمركية لإعادة هندسة التبادل، وتُستخدَم الضرائب لدعم الطلب وتحفيز الاستثمار وفق أولويات سياسية، ويُقلَّص التنظيم لتسريع "القدرة على البناء". أما نجاح هذه المقاربة فسيُحسَم بثلاثة أسئلة قابلة للرصد: هل تتحول الرسوم الجمركية إلى تضخم دائم أم إلى إعادة تموضع لسلاسل الإمداد؟ هل يقابل خفض الضرائب نموٌ إنتاجي يعوّض تكلفته على العجز؟ وهل يُترجَم تسريع التراخيص إلى استثمارات ملموسة تُحسّن العرض وتخفض تكلفة الطاقة والتمويل؟
نبض