البندقية 83: لبنان المنهوب يسترد الوديعة بالسينما!
مع "غضب" لرامي قديح، تجد أزمة المصارف في لبنان للمرة الأولى طريقها إلى الشاشة في فيلم يكرّس جهده لرواية هذه الكارثة الاقتصادية، علّه يعيد شيئاً من الحقوق المعنوية إلى المودعين، ويخفّف عنهم الشعور بالعجز في مواجهة مأساة ألمّت بهم ولا تزال فصولها مفتوحة. يستلهم الفيلم الخطوط العريضة لقصّة الفتاة التي اقتحمت مصرفاً لبنانياً للمطالبة بأموالها، بعدما احتجزت مدخراتها إثر الانهيار المالي الكبير الذي عصف بالبلد بدءاً من أواخر 2019، وكانت تحتاج إليها لتأمين علاج شقيقتها المريضة.
بعد نحو سبع سنوات من بداية الأزمة، تتناول السينما هذا الفصل في فيلم عُرض في مهرجان البندقية السينمائي (2 - 12 أيلول/سبتمبر) مساء الجمعة الماضي (قسم "سبوتلايت")، وسط اهتمام إعلامي، ولا سيما أن اسم جورج كلوني ارتبط بالمشروع بصفته منتجاً.
أزمة مصارف لبنان في فيلم سطو
الفيلم هو الروائي الطويل الأول لقديح، 43 عاماً، بعد سلسلة من الأفلام القصيرة. يغمس يده في جرح لبناني، ليكتب حكاية عن بلد مأزوم، من خلال حفنة من الشخصيات، في مقدّمها شقيقتان، مارو (ريم مروة) وداليا (ماريا ناكوزي). تريد الأولى إنقاذ أختها عبر تأمين المبلغ اللازم لإجراء عملية جراحية، في بلد تختصر فيه القاعدة العبارة التي تتردد في الفيلم: "بتدفع بتعيش، ما بتدفع بتموت". من هنا تنطلق خطة السطو على المصرف الذي يحتجز المال، فتتوالى مفارقات ومواقف ضمن حبكة تنتمي بوضوح إلى سينما النوع، وتحديداً إلى أفلام السطو. هذا النوع السينمائي يجد هنا سياقاً شديد الخصوصية في الواقع اللبناني، بما يفرض على الفيلم إيقاعاً سريعاً، وحركة متواصلة، وتشويقاً لا ينقطع، يصل أحياناً إلى حدّ خطف الأنفاس.

"غضب" الذي سيجد مكانه بسهولة بين أفضل عشرة أفلام لبنانية على الإطلاق، ليس رحوماً مع لبنان، وهذا مفهوم جداً. إنه فيلم الغضب العارم، عزاء المستضعفين الوحيد. وكيف يمكن المرء أن يحافظ على شيء من هدوئه بعد كلّ ما حلّ ببلد وشعب، خلال السنوات السبع الأخيرة، لا بل خلال النصف القرن الأخير؟ الفيلم يلتقط هذا المزاج بنظرة ورؤية لا تتنازلان عن حقّهما في الذهاب إلى أقصى الأشياء، انسجاماً مع وضع لا يكف عن إنتاج الخيارات المتطرفة. الحصاد السينمائي: ابتزاز، ترهيب، علاقات قاسية، عنف… أما السلوكيات الميليشيوية، آفة الآفات، فتلك "واجب" أي فيلم لبناني يريد أن يضع اصبعه على شيء ممّا لوثّ هذا البلد.
في مناسبة الحديث عن المصارف، يلتقط الفيلم الوباء الذي تفشّى في مجتمع خطوط التماس وزعران الأزقة والأحزاب الطائفية، وبقي كلّ شيء بلا محاسبة، فراح يتضخّم كورم سرطاني، وصولاً إلى "سرقة العصر". كلّ هذا يتجلّى في "غضب" على استحياء في البداية، قبل أن يطلّ شامخاً في النهاية. في هذا الجانب تحديداً، الفيلم يكاد يكون نموذجياً، خصوصاً في اعتماده على طرح تصاعدي. حتى أسلوبه البصري يذهب في هذا الاتجاه: الألوان المائلة إلى الخضرة والزرقة تمدّه بمسحة glauque، قذرة ومكدّرة، تجعله يبدو حقيقياً إلى درجة مؤلمة. لا تجميل للواقع، بل إضافات تكدّس بعضها فوق بعض، حتى يصبح القبح نفسه جزءاً من النسيج الجمالي. وسط هذا كلّه، تحضر النار بكثافة، بصفتها حلاً أخيراً، أو خاتمة طبيعية لعالم استنفد كلّ وسائل الخلاص.
نحن أمام حكاية تُروى بعين حكواتي يعرف كيف يسرد، ومطلع على أسرار الرواية البصرية والمنافذ التي يمكن أن يطلّ منها على السينما، باعتبارها، قبل كلّ شيء، فنّاً للحكاية. الوجبة سينمائية في المقام الأول، متماسكة ودسمة، تصنع لحظات تدفع إلى التفكير وأخرى الغاية منها تنفيس الاحتقان. هذا كله ضمن بنية درامية نادرة تقف على الحد الفاصل بين السينما الجماهيرية وسينما المؤلف، من دون أن تنتمي كلياً إلى هذه أو تلك.
ينكأ الفيلم الجرح اللبناني، يلسع من تحت الجلد، عبر حوارات سينمائية ظريفة أحياناً، وكاراكتيرات مكتوبة بواقعية. كلّ شيء يجد مكانه ولحظته ومسوّغه الدرامي وسط الفوضى الأخلاقية وفقدان البوصلة، ولو بشكل عابر، لكنه يترك أثره الدامغ. في أحد المشاهد المركزية، الذي تتمثّل وظيفته على مستوى الحبكة في تمويه عملية السطو وتسهيلها، يحضر المجتمع اللبناني في ما يشبه الميكروكوزم: المناطقية، المتاريس المعنوية، ذاكرة الحرب الانتقائية، وعجز السلطة، وفائض القوة الذي لا يزال تستعرضه بعض الجماعات.
لم يكن ممكناً الحديث عن بلد مثل لبنان من دون استحضار بنيته الاجتماعية. صحيح أن الفيلم يتأخّر في طرحها، إلا أن تأخيرها يجعل لحظة ظهورها أكثر وقعاً: تأتي فجأةً، فتنفجّر في وجهنا.
الشخصيات بدورها موزّعة على طرفي هذا المشهد اللبناني: هناك مَن يريد النجاة، ومَن لا يزال يتعامل مع الآخرين بمنطق البلطجة. وهناك الذين، كالشقيقتين، سحقهم نظام فاسد استمر سنوات. لكن بين هؤلاء مَن ينبذ الرضوخ، ولحسن الحظ، لأن السينما تولد تحديداً من هذه الشخصيات، ومن قدرتها على مقاومة الظلم الذي فُرض عليها.

بين "بيروت الغربية" (1998)، حيث نرى مشهداً لأناس يتدافعون للحصول على رغيف خبز، ومشهد يتكرر هنا، لم يتغير سوى الوجوه. أما الزعران، فأشبه بمافيات صقلية: لم تعد لهم حاجة إلى الشارع (رغم وجودهم فيه أيضاً)، انتقلوا إلى خلف المكاتب، في المصارف، وداخل أروقة السلطة العليا.
احتاج لبنان إلى فترة كي يتقبّل الأفلام التي تناولت حربه، وبعضها تم التصدّي له رقابياً، في مجتمع يصعب عليه النظر إلى صورته في المرآة. من هنا يولد الشعور بأن فيلم رامي قديح يفتح صفحة جديدة في سينما ما بعد السلم المصطنع: سينما انهيار الدولة وأزمة المصارف… هذه كلها ليست فصولاً منفصلة، بل حلقات متّصلة في سلسلة واحدة، تتناسل إحداها من الأخرى. والفيلم، بقسوته الصريحة، يحرص على اظهار هذا الإرث الذي يعود إلى نصف قرن، والذي صنعت فيه الحرب اللبنانية ميليشيوية قذرة، إن لم تعد حاضرة في الأفعال أحياناً، فهي راسخة في النفوس.
هذا اللبنان يحضر هنا بكلّ ما رفضنا أن نراه. ولكن لا يختار الفيلم طريق تلقين الدرس، ولا يلجأ إلى التنظير السياسي، ولا يفرض علينا خلاصة. على طريقة الحكّائين السينمائيين الأميركيين الكبار، يضع القصّة في متناولنا ويترك لنا مهمة الخلاصة. وللسينما، في هذا، فضيلة الاختزال: ثلاثون صفحة في كتاب يمكن أن تختصرها بلقطة.
يأخذ الفيلم حكاية الشقيقتين، ويستخدمها كشقوق في جدار، نطلّ منها على المجتمع اللبناني ومصائبه، وفي مقدّمها النظام البطريركي الذي يلحق الأذى بالرجال والنساء. أما السلطة السياسية، فإن غابت فهي مدانة، وإن حضرت فهي مدانة أكثر، إذ تبدو دائماً مستعدة لقلب المعادلة، وتحويل المنهوب إلى ناهب.
نبض