حروبنا في ثلاثة أفلام: الذاكرة المتعنّتة تحدّت محاولات طمسها
"سينما الحرب" جاءت كمحاولة لفهم زمن يتراوح بين الغموض والخراب والدروس غير المستفاد منها. أفلامها وقفت مشدوهة أمام ماضٍ لم يُفهَم بعد، وواقع ضاغط، ومستقبل يبدو بلا أفق.
رغم محاولات إقفال ملف الحرب الأهلية (1975 - 1990) ودفع المجتمع إلى نسيانها عبر اللامبالاة المؤسساتية والتواطؤ الشعبي والضيق الاقتصادي، تمكّن بعض الأفلام من اعادة نبش الماضي وصون الذاكرة الجمعية. تمسّكت هذه الأفلام بمواقف صلبة وقدّمت الحرب لا كحادثٍ عابر أو خلفية هامشية، بل كمأساة مستعادة نشأت في كنفها الأجيال. حتى الأفلام التجارية الأكثر سطحيةً، لم تُفلِت من تأثير الحرب، ووجدت نفسها توظّفها إمّا كذريعة درامية أو كديكور واقعي. غير أن السينما الوثائقية هي التي أظهرت أقصى درجات النضج، لأنها دخلت أعماق التجربة من دون أن تحتاج إلى تزويق أو إعادة خلق. اشتغلت على الألم عبر مساحتين: الاعتراف والتجاوز، كما انها رفضت الرواية الرسمية التي حاولت تلميع المشهد باسم الوحدة الوطنية المزعومة.
مع "حروب صغيرة" (1982)، قدّم مارون بغدادي فيلماً بعيداً من التجاذبات السياسية، يلتقط مصائر شخصيات هشّمتها الحرب من الداخل. نرى الحروب الخفية، اليومية، تلك التي لا توثّقها نشرات الأخبار، لكنها تتسلّل تدريجاً إلى ملامح البشر وسلوكهم. من خلال ثلاث شخصيات رئيسية، نكتشف الواقع الممزّق، من دون تنظير وانحياز. هذا عمل له مكانته الخاصة في وجدان السينما اللبنانية. الواقع آنذاك، فرض على المخرج أن يتورط في مأساة وطنية اختُصرت في ما بعد بعبارة "حروب الآخرين على أرضنا" – وهي عبارة لا يبدو أن الفيلم يتبنّاها بالكامل. تجنّب بغدادي الأدلجة، مركّزاً على هشاشة الكائن وسط دوامة سياسية طاحنة، متعمّقاً في رسم تفاصيل تلك المعارك اليومية الصغيرة التي تتوارى خلف عناوين الحرب الكبرى. بدا أسلوب بغدادي ناضجاً، مدفوعاً برؤية شخصية، وإن كان متأثراً بجماليات السينما الأوروبية.
***
بعد نحو عقدين، وكانت مضت على نهاية الحرب ثمانية أعوام، جاء زياد دويري مع "بيروت الغربية" (1998) الذي كتب فصلاً جديداً من سيرة سينما الحرب، فأعاد الجمهور اللبناني إلى مواجهة ماضيه، بعد فترة من النكران والرغبة في دفن الأحقاد. حوّل الفيلم مناطق من بيروت، التي كانت خطت نحو ورشة اعادة الإعمار، إلى فضاء سينمائي مفتوح. التقط ما تبقّى من ملامح المدينة التي كانت انقسمت، تقاتلت، ونزفت طوال خمسة عشر عاماً، تاركة وراءها ذاكرة مثقوبة وإنسان جريح. قدّم دويري رؤيته الخاصة للحرب، لا كخبير سياسي، بل كمَن عاش بعض فصولها، واحتفظ بها في ذهنه صوراً متقطّعة أعادت الكاميرا تشكيلها لاحقاً. زاويته مزدوجة: عين مشبّعة بتقنيات السينما الأميركية، وعين أخرى من الداخل، محمولة على حنين وانكسار. شخصياته، من الخبّاز إلى "الباترونة"، ومن المسلّح إلى المراهق المشوّش، وإلى تلك المرأة التي تهيمن على الحيّ بصوتها، لم تكن رمزية أو محنّطة، اذ جاء بها من الشارع. بيد ان الأهم ربما، انه اختار أن يرى الحرب بعيون أطفال في طور التحوّل: اكتشاف العنف ترافق هنا مع يقظة أخرى، على الجسد، الهوية والانتماء.

***
في "مَقاتل" (2005) لمونيكا بورغمان ولقمان سليم وهرمان تايسن، لا تُسرَد الحرب من موقع الضحية، ولا من خلال تأمّلات مثقّفين أو سرديات حزبية. نراها وهي تخرج من أفواه الجلاّدين أنفسهم. في إنجاز غير مسبوق، واجه مخرجو الفيلم مجموعة من المسلّحين ممّن شاركوا في المجازر التي ارتُكبت في صبرا وشاتيلا في أيلول 1982، مستخرجين منهم اعترافات تهدم جدار الصمت الثقيل. انها تجربة مشاهدة مؤلمة، فنحن لسنا أمام مادة إعلامية، بل في قلب جلسة اعتراف حقيقية، أقرب إلى العلاج النفسي القسري. والصدمة قد لا تأتي من المجازر نفسها، بقدر ما تصنعها سهولة البوح و“عادية الشر“. كأن العنف صار مهارة، والوحشية تأكيد على الوجود. المغدور لقمان سليم، وصف ما حدث في الحرب بأنها "نموذج درامي أكثر من كونها حدثاً دموياً"، معتبراً عملية الاستجواب مواجهة لا مع التاريخ فحسب، بل مع النفس البشرية.
نبض