مترجمة "الأوديسة" تهاجم كريستوفر نولان: "سأخجل لو كتبت هذا السيناريو"

ثقافة 29-07-2026 | 10:42

مترجمة "الأوديسة" تهاجم كريستوفر نولان: "سأخجل لو كتبت هذا السيناريو"

رغم تصدره شباك التذاكر، يواجه فيلم "الأوديسة" لكريستوفر نولان انتقادات حادة ترى أنّ الفيلم اختزل تعقيد هوميروس.
مترجمة "الأوديسة" تهاجم كريستوفر نولان: "سأخجل لو كتبت هذا السيناريو"
مات ديمون (أوديسيوس) في فيلم "الأوديسة". (يونيفرسال)
Smaller Bigger

أصبح فيلم "الأوديسة" (The Odyssey) للمخرج كريستوفر نولان أحد أبرز الأحداث السينمائية لهذا العام. فقد تصدّر شباك التذاكر العالمي، وحصد إشادة نقدية واسعة، وعرّف ملايين روّاد السينما إلى ملحمة هوميروس التي كُتبت قبل نحو 2700 عام. غير أنّ واحدة من أشدّ الانتقادات التي وُجّهت إليه لم تصدر عن مخرج منافس أو ناقد معادٍ، بل جاءت من إميلي ويلسون، الباحثة المرموقة في الدراسات الكلاسيكية، التي أسهمت ترجمتها الإنكليزية الشهيرة للملحمة في تشكيل رؤية نولان نفسه.

 

لماذا هاجمت إميلي ويلسون فيلم "الأوديسة"؟

أشعل موقف ويلسون نقاشاً أوسع بكثير من حدود فيلم واحد، يتمحور حول سؤالين أساسيين: ماذا يعني اقتباس عمل أدبي يُعدّ من روائع الأدب العالمي؟ وهل يمكن لفيلم جماهيري ضخم أن يجسّد الثراء الذي تنطوي عليه واحدة من النصوص المؤسسة للأدب الغربي؟

 

"بطل أكشن" بدلاً من الشخصية المعقدة

في مقال نشرته في "London Review of Books"، وفي مقابلات لاحقة، أطلقت ويلسون حكماً لافتاً في صراحته. فقد رأت أنّ فيلم نولان يجرّد ملحمة هوميروس من تعقيدها العاطفي والأخلاقي والنفسي، ويختزل أوديسيوس إلى "بطل أكشن بسيط" بدلاً من الشخصية الملتبسة أخلاقياً التي أسرت القرّاء على مدى آلاف السنين. وفي موضع من مقالها، كتبت أنّها "ستخجل لو أنّها كتبت أي جزء من هذا" السناريو.

 

آن هاثاواي (بينيلوبي) وتوم هولاند (تليماخوس) في “الأوديسة“. (يونيفيرسال)
آن هاثاواي (بينيلوبي) وتوم هولاند (تليماخوس) في “الأوديسة“. (يونيفيرسال)

 

وتكتسب هذه الانتقادات أهمية خاصة لأنّ نولان اعترف مراراً بتأثير ترجمة ويلسون الرائدة، الصادرة عام 2017، في رؤيته للفيلم. فقد أصبحت عبارتها الافتتاحية الشهيرة: "حدّثني عن رجل معقّد"، محوراً أساسياً في فهم المخرج لأوديسيوس بوصفه بطلاً تحدّده، بدرجة أقل، قوته الجسدية، وبدرجة أكبر ذكاؤه، وتناقضاته، وغريزة البقاء لديه.

غير أنّ ويلسون ترى أنّ الفيلم في صورته النهائية يتخلّى تحديداً عن هذا التعقيد. فبدلاً من استكشاف تأملات هوميروس في الذاكرة، والصدمة النفسية، والأسرة، والضيافة، والنظام السياسي، والعواقب الأخلاقية للحرب، تعتقد أنّ الاقتباس يفضّل الاستعراض البصري، والسرد المبسّط، والضخامة المشهدية. وترى أنّ الشخصيات نادراً ما تبلغ العمق العاطفي أو الالتباس الأخلاقي اللذين يبعثان الحياة في القصيدة الأصلية.

 

ماذا فقد الفيلم من ملحمة هوميروس؟

لا يشارك جميع الباحثين ويلسون حدّة موقفها، لكنّ كثيراً من المتخصصين في الدراسات الكلاسيكية ردّدوا بعض عناصر نقدها. فقد رأى الكاتب والباحث الكلاسيكي دانيال مندلسون، على سبيل المثال، أنّ أوديسيوس لدى نولان يفقد جانباً كبيراً من الطرافة والجاذبية والدهاء التي تميّز بطل هوميروس، ليصبح بدلاً من ذلك بطلاً نولانياً آخر غارقاً في التأمل الداخلي، تصوغه مشاعر الذنب والصدمة النفسية. كما تساءل باحثون آخرون عن تقليص دور الآلهة، وعن التغييرات التي طالت شخصية بينيلوبي، وهما عنصران محوريان في الملحمة القديمة.

 

روبرت باتينسون (أنتينوس) في فيلم “الأوديسة“. (يونيفرسال)
روبرت باتينسون (أنتينوس) في فيلم “الأوديسة“. (يونيفرسال)

 

ومع ذلك، يسلّط هذا الجدل الضوء أيضاً على التوتر الحتمي بين الأدب والسينما. فملحمة هوميروس تمتد عبر نحو 12 ألف بيت شعري، وتنسج معاً المغامرة والفلسفة والتأمل السياسي وفن الحكي ضمن طبقات سردية متعددة. أما الفيلم الروائي الطويل، حتى وإن اقتربت مدّته من ثلاث ساعات، فلا بدّ له من الاختزال والتبسيط واتخاذ خيارات انتقائية. وقد أكّد باحثو دراسات الاقتباس الأدبي منذ زمن طويل أنّ نجاح الأفلام لا ينبغي أن يُقاس فقط بمدى وفائها للنص الأصلي، بل أيضاً بقدرتها على النجاح بوصفها أعمالاً سينمائية قائمة بذاتها.

وبهذا المعيار، يبدو أنّ فيلم نولان قد لامس الجمهور بوضوح. فقد أشاد النقّاد بطموحه البصري على شاشات "أيماكس"، وبأداء ممثليه، وبحجمه العاطفي، في حين دفعه الجمهور إلى مصافّ الأفلام الجماهيرية الضخمة. والأهم من ذلك، أنّ ويلسون نفسها تقرّ بأنّ الفيلم حقّق إنجازاً نادراً في هوليوود، إذ أعاد إحياء الاهتمام العالمي بهوميروس. فقد ارتفعت مبيعات "الأوديسة"، بما في ذلك ترجمتها الخاصة، بصورة ملحوظة منذ عرض الفيلم، ما جذب قرّاء جدداً إلى واحدة من أقدم الروائع الأدبية التي وصلتنا عبر التاريخ.

وفي نهاية المطاف، يكشف هذا الخلاف، بدرجة أقل، عمّن هو "المحقّ"، وبدرجة أكبر عن وجود طريقتين مختلفتين للتعامل مع العمل نفسه. فويلسون تقارب "الأوديسة" بوصفها واحدة من أعظم القصائد في تاريخ البشرية، بينما يُعيد نولان تخيّلها في صورة ملحمة سينمائية معاصرة. وقد يكون من المستحيل ردم الفجوة بين هذين المنظورين، إلا أنّها أطلقت بالفعل ذلك النوع من النقاش الثقافي الذي ألهمته قصيدة هوميروس على امتداد ما يقارب ثلاثة آلاف عام.

 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 7/28/2026 5:35:00 AM
من أبرز الإجراءات التي اتخذها مصرف لبنان منع استيفاء أي عمولات على الحسابات غير النشطة (Dormant Accounts)
النهار تتحقق 7/28/2026 7:54:00 AM
يظهر الفيديو ثلاثة أشخاص واقفين في الماء، ممسكين ببساط يحتوي على أسماء صغيرة، بينما يستعرضها المصور عن قرب داخل إناء، ويشير إلى أنَّها أسماك السلور.
لبنان 7/28/2026 8:50:00 AM
تعرف إلى تطورات ملف النزوح السوري في لبنان خلال 15 عاماً، وأبرز التحديات السياسية والإنسانية والإقليمية المرتبطة به.
لبنان 7/29/2026 12:00:00 AM
بري اليوم في بعبدا للقاء رئيس الجمهورية، ويزيد بن فرحان يصل إلى بيروت السبت