20 عاماً على رحيل صانع البهجة على الشاشة: جيرار أوري "اغتيل" نقدياً وأُنصِف جماهيرياً

ثقافة 28-07-2026 | 08:37

20 عاماً على رحيل صانع البهجة على الشاشة: جيرار أوري "اغتيل" نقدياً وأُنصِف جماهيرياً

20 عاماً على رحيل جيرار أوري ملك الكوميديا الفرنسية.
20 عاماً على رحيل صانع البهجة على الشاشة: جيرار أوري "اغتيل" نقدياً وأُنصِف جماهيرياً
بورفيل ولوي دو فونيس في "الهروب الكبير".
Smaller Bigger

مع مرور 20 عاماً على رحيل جيرار أوري (تموز/يوليو 2006)، تبدو المفارقة التي رافقت مسيرته أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: السينمائي الذي أمضى حياته هدفاً مفضّلاً للنقّاد والحراس المتشدّدين للذائقة السينمائية الرفيعة، لا يزال حاضراً في ذاكرة الجمهور أكثر من كثيرين ممّن احتفت بهم الصفحات الثقافية والنظريات النقدية.

يصعب نسيان المناكفة بينه وبين النقّاد يوم عرض "بطل الأبطال" مع جان بول بلموندو في مطلع الثمانينات، بعدما زحف الملايين إلى الصالات لمشاهدته، متجاهلين "غرفة في المدينة" لجاك دومي، ممّا دفع بعض الكتّاب الى نشر مقال جماعي شديد اللهجة دفاعاً عن دومي وذمّاً بأوري. اليوم، بعد أربعة عقود، يمكن القول إني أستمتع بمشاهدة الفيلمين بالقدر نفسه، من دون تحويل المسألة إلى مبارزة وجودية بين دواد وجالوت.

كان أوري من السينمائيين الذين أدركوا باكراً أن كلّ شيء في الحياة قابل للسخرية، وأن أكثر المواضيع جديةً في امكانها أن تتحوّل إلى مادة للكوميديا. الحرب، المقاومة، الدين، العنصرية، التعصّب، سوء الفهم بين الشعوب، كلها وجدت مكانها في عالمه. وعلى غرار كبار رموز التراجيكوميديا الإيطالية، لكن بروح فرنسية، آمن بأن المأساة هي الأم الشرعية للكوميديا.

لم يجهل أن الإنسان هو الكائن الوحيد بين سائر المخلوقات الذي يعيش تحت وطأة معرفته المسبقة بمصيره المحتوم، أي الموت، ولذلك لا يملك سوى أن يبتكر أشكالاً لا تنتهي من الضحك لتخفيف العبء عنه. لم يطمح إلى تغيير العالم، ولم يقدّم نفسه معلّماً تنويرياً. أراد فقط أن يصنع أفلاماً تمنح الناس لحظات من البهجة التي قد تشرّع باباً إلى التفكير أيضاً. اكتفى بهذا القدر، لكن هذا "القليل" تحوّل مع الزمن إلى إرث كبير، سواء في حياته أو بعد مماته.

 

دو فونيس وجيرار أوري أثناء تصوير ”مغامرات رابي جاكوب“.
دو فونيس وجيرار أوري أثناء تصوير ”مغامرات رابي جاكوب“.

 

في مطلع تجربته، اقترب من أنواع سينمائية مختلفة، من بينها الفيلم البوليسي (مثّل في أول فيلمين له)، لكنه سرعان ما وجد الأرض التي يجيد السير عليها. اختار الكوميديا بإرادته الكاملة، مغلقاً الباب أمام احتمالات أخرى. في حقبة كانت فيها "الموجة الجديدة الفرنسية" تعيد تعريف اللغة السينمائية وتدفع بها نحو آفاق جديدة، بقي أوري وفياً لاشتغالات أكثر كلاسيكيةً. لم  ينهمك كثيراً بكسر قواعد السرد أو التجريب البصري. كان همّه الأساسي أن تصل الدعابة في توقيتها الصحيح، وأن تفعل المفارقة فعلتها، وأن تبقى القصّة متماسكة، والأهم: الممثّل المناسب في الدور المناسب. وفي الأخير، يكمن سر نجاح الفيلم الكوميدي.

ما اعتبره النقّاد رؤية محدودة، رآه الجمهور نقاءً. فقد امتلك أوري موهبة نادرة في تعرية المجتمع وكشف عيوبه من دون خطابة أو ادعاء، خبث أو لؤم. سخر من الغباء والأنانية والجبن والنفاق وكلّ شيء، لكن من دون قسوة. ضحك من البشر لأنه يعرفهم جيداً، لا لأنه يحتقرهم.
أفلامه اكتشفناها قبل أن نبلغ سنّ الرشد ونغوص في السينما "الكبيرة". اسم أوري تسلّل إلينا باكراً، وحفظناه عن ظهر قلب من فرط ما أعدنا أفلامه على أشرطة فيديو مهترئة كادت تتمزق من كثرة الدوران داخل الجهاز. حفظنا افتتاحية "مغامرات رابي جاكوب" لقطة لقطة، سيارة لوي دو فونيس المنطلقة على الطريق السريع على إيقاع موسيقى فلاديمير كوزما. بالنسبة إلى أطفال كانوا في أمسّ الحاجة إلى التخفيف عن الذات، كانت تلك الدقائق بمثابة أوكسيجين.

ثم جاء اللقاء مع "الهروب الكبير" ("لا غراند فادروي")، الفيلم الذي رافق طفولة أجيال كاملة عبر العالم. هناك اكتشفنا عالماً من المفارقات الهزلية التي لا تهدأ، من مشهد الحمّام التركي إلى مغامرات الهروب والاختباء وسوء التفاهم المتواصل. وبعده جاء "لو كورنيو" الذي شاهدته ذات مرة بنسخة تكاد تخلو من الصوت بسبب رداءة التسجيل، ومع ذلك لم تحرمني من الضحك. ربما لأن الكوميديا عنده ليست كلمات فحسب، وإنما إيقاع وحركة ونظرات وتوقيت دقيق.

من الصعب على الجيل الذي تربّى على أفلامه، أن يتعامل معه بـ"موضوعية"، مدركين تماماً أنه ليس بمكانة بيلي وايلدر، ولا بعبقرية جاك تاتي، ولا بألمعية بلايك إدواردز. لكنّنا نعرف أيضاً أن للكوميديا حساباتها الخاصة، وأن تأثير بعض الأفلام في الذاكرة يتجاوز أحياناً كلّ المقاييس النقدية. مهما كبرنا وأردنا أن نبدو "مثقّفين" و"سنوب"، سنقع أرضاً من الضحك أمام لوي دو فونيس وهو يقع في مستوعبات مصنع العلكة!

 

جان بول بلموندو في ”بطل الأبطال“.
جان بول بلموندو في ”بطل الأبطال“.

 

أفلامه التي كتب لها السيناريو ويبلغ عددها 17 روائياً طويلاً، استقطبت أكثر من 70 مليون مشاهد في صالات السينما، وبقي "الهروب الكبير" متربّعاً على عرش شبّاك التذاكر الفرنسي نحو ثلاثة عقود بإيردات بلغت 17 مليون مُشاهد، قبل أن ينتزع منه الصدارة "تايتانيك". الاتهامات التي وُجِّهت إليه بالشعبوية تبدو اليوم أقرب إلى أحكام متسرعة لم تصمد أمام امتحان الزمن. فالكثير من الأعمال التي كانت توصف آنذاك بأنها قمم الحداثة طواها النسيان، فيما لا تزال أفلامه تُشاهَد وتُحَب وتُستعَاد.

من بين أفلامه كلها، يبقى "مغامرات رابي جاكوب" مع دو فونيس، الأكثر إثارةً للجدال والأقرب إلى قلبه. ففي مطلع السبعينات، وفي أجواء التوتّر التي أعقبت حرب 1973، تحوّل الفيلم إلى محور أزمة سياسية بعدما اعتبرت الملحقة الصحافية دانيال كرافين بأن العمل منحاز إلى اليهود ومعادٍ للعرب (لم تكن شاهدته حتى)، رغم أن جوهره كان دعوة صريحة إلى التسامح والسخرية من التعصّب الديني والعرقي. وانتهت القضية بخطف كرافين طيارة مطالبةً بمنع الفيلم، لكنها قُتلت خلال دهم الشرطة، فيما تلقّى أوري سيلاً من رسائل التهديد والشتم فاضطر إلى اتخاذ احتياطات أمنية مشدّدة.

تناول أوري يبقى ناقصاً من دون التوقّف عند لوي دو فونيس (1914 - 1983). صحيح أن الممثّل النابغة منح أفلامه طاقة استثنائية، لكن الصحيح أيضاً أن أوري كان من أكثر المخرجين قدرةً على استثمار هذه الطاقة وتوجيهها. لقد شكّل الرجلان ثنائياً مثالياً: الأول أمام الكاميرا، عاصفة من الارتجال والانفعالات والانهيارات العصبية، والثاني خلفها، يحاول تنظيم هذه الفوضى الخلّاقة داخل فيضان من خفّة الظلّ.

ومع بورفيل تحديداً، نجح أوري في ابتكار إحدى أجمل الثنائيات الكوميدية على الشاشة. ففي "لو كورنيو" و"الهروب الكبير"، بلغ التناغم بين بورفيل ودو فونيس مستوى نادراً، قائماً على التناقض الكامل بين الشخصيتين. وحين جمع دو فونيس بإيف مونتان في "جنون العظمة"، أثبت مرةً أخرى قدرته على استخراج الأفضل من التناقضات البشرية. 

خسارة بورفيل ثم دو فونيس كانت ضربة قاسية لسينماه. حاول لاحقاً أن يعثر على بدائل، لكن السحر لم يتكرر، رغم انه تعاون مع كبار الأسماء، من كولوش إلى بيار ريشار مروراً بفيليب نواريه. فقط فيلماه مع بلموندو، "بطل الأبطال" و"العقل المدبّر" أفلتا من العادية. في سنواته الأخيرة (توفى عن 87 عاماً) انزوى وسط لوحاته وذكرياته، فيما كانت السينما التي أحبّها تذبل تدريجاً.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 7/27/2026 9:39:00 AM
ممثل موزعي المحروقات فادي أبو شقرا يوضح لـ"النهار"
أوروبا 7/26/2026 2:17:00 PM
أصدرت الشرطة مواصفات للمشتبه به، مشيرة إلى أنه نحيف البنية، يبلغ طوله نحو 1.90 متر، ذو شعر أسود، وكان يرتدي سترة سوداء بغطاء للرأس (هودي) وسروالاً أبيض.
لبنان 7/27/2026 11:00:00 AM
ما الذي يجعل نشاط حركة "عوري تسافون" التي تعني "استيقظ أيها الشمال"، غير قادرة على أخذ موافقة الحكومة الإسرائيلية والقوى العسكرية للدخول إلى جنوب لبنان أو الاستيطان؟