كانّ وزّع جوائزه مكرّساً الاعتدال: طريق "السعفة" تمرّ في النروج!

ثقافة 24-05-2026 | 17:55

كانّ وزّع جوائزه مكرّساً الاعتدال: طريق "السعفة" تمرّ في النروج!

قراءة في جوائز الدورة الـ79 من مهرجان كانّ السينمائي.
كانّ وزّع جوائزه مكرّساً الاعتدال: طريق "السعفة" تمرّ في النروج!
كريستيان مونجيو متسلّماً "السعفة الذهب" مساء السبت في كانّ.
Smaller Bigger

لم تنتهِ الدورة التاسعة والسبعون من مهرجان كانّ السينمائي (12 -  23 أيار/مايو) على إجماع. فقد كانت لائحة الجوائز التي منحتها لجنة التحكيم برئاسة المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان ووك صعبة التنبؤ، وإن لم يفاجئ "تسعيف" كريستيان مونجيو كثراً. ما من فيلم احتكر المشهد، وما من تحفة داخل المسابقة فرضت نفسها. انقسمت الآراء، على نحو متناقض أحياناً، حول معظم الأفلام، وذلك طوال الأيام الإثني عشر التي استغرقها هذا الحدث الكاشف عن أعمال سينمائية جديدة جاء بها فريق تييري فريمو، على نحو ينصّب كانّ فضاء السجال السينمائي الأهم في العالم.

في اللحظة التي صعد فيها كريستيان مونجيو، 58 عاماً، إلى خشبة قصر المهرجانات ليتسلّم "السعفة الذهب" عن "فيورد"، من يد تيلدا سوينتون التي قبّلها (اليد) ثم ردت له بالمثل، بدا وكأن الزمن يعود، بطريقة ما، إلى 2007، حين كان المخرج الروماني، آنذاك في التاسعة والثلاثين، يصنع التاريخ، عبر الفوز بـ"سعفته" الأولى عن "أربعة أشهر، ثلاثة أسابيع ويومان"، مُديناً النظام الشمولي الذي ولد تحته، ومؤكّداً أن سينما البلقان لا تزال قادرة على زلزلة العمق الأوروبي بحكاية من الثمانينات، موجداً مكاناً له على الخريطة. 

 

”فيورد“ لكريستيان مونجيو الفائز بـ“سعفة“ كانّ 79.
”فيورد“ لكريستيان مونجيو الفائز بـ“سعفة“ كانّ 79.

 

حدث هذا قبل عقدين تقريباً، ومذّذاك تغيّر العالم كثيراً. اليوم يعود مونجيو، في زمن القلق الكوني والتخبّط الأخلاقي، بفيلم يثير الأسئلة بقدر ما يستدر بعض الاحترام المحدود. 

في "فيورد"، يواصل مونجيو تجسيد هواجسه المعتادة حول السلطة، الدين، والتربية، لكن ضمن سياق جغرافي مختلف هذه المرة (النروج). الفيلم يبدو امتداداً لأعماله السابقة، من حيث انشغاله الدائم بعلاقة الفرد بالدولة وبالمنظومات الأخلاقية التي تتحوّل إلى أدوات ضبط وقمع ناعم. تدور الأحداث حول زوجين (سيباستيان ستان وريناته رنسفه)، هو روماني وهي نروجية، يعيشان مع أطفالهما الخمسة في قرية نروجية معزولة. العائلة متدينة وتعيش بأسلوب صارم يثير شكوك المحيط، خصوصاً بعد ملاحظة آثار كدمات على أحد الأطفال. تتدخّل مؤسسات رعاية الطفولة، لتبدأ إجراءات بيروقراطية تنتهي بسحب الأطفال من العائلة ووضعهم تحت الرعاية، فيتحوّل النص السينمائي تدريجاً إلى مواجهة بين قناعات فردية ترى نفسها بريئة، ومنظومة مؤسساتية تعتبر نفسها حامية للقيم العامة. 

 

أندريه زفياغينتسف الفائز بـ“الغران بري“.
أندريه زفياغينتسف الفائز بـ“الغران بري“.

 

كمعالجة بصرية وتقنيات سرد وعمق خطاب، لا يقدّم الفيلم جديداً يُذكَر، حتى قياساً بأعمال مونجيو السابقة، المنشغل هذه المرة بحقوق الأقليات والمناكفة الثقافية وبمسألة فرض القيم على الآخرين، أحياناً بجدية وأحياناً بسخرية مبطّنة. غير أن هذا كله يبدو وكأنه معركة تُخاض في المكان الخطأ، وجهد يذهب سدى. ما الذي يزعج مونجيو في ليبيرالية دولة مثل النروج، وهو الآتي من بلد لا تزال تتراكم فيه مشكلات عديدة، من عنف وفقر وفساد وتأثير سلبي للدين؟ وكيف يمكن المساواة بين تربية صارمة للأطفال باسم الدين، ونظام يحاول توفير حماية لهم؟ نعم، كلّ شيء مسألة وجهة نظر، ونحن داخل فيلم يسعى إلى التظاهر بالموضوعية، لكن كلّ نظرة، وكلّ قطع، وكلّ تنهيدة، تكشف ما يحاول مونجيو كتمانه باسم سينما تدّعي الوقوف على مسافة واحدة من الجميع.

صحيح أن الفيلم لا يدافع صراحةً عن ممارسات أي من الطرفين، لكن التحامل يظهر أوضح تجاه الدولة المضيفة، التي يُلمِّح إلى أنها تدّعي امتلاك الحقيقة في تعريف الخير والشر. ونعلم أنه يحذّر من خطر نظام، أي نظام، يعتقد أنه دائماً على حقّ، غير أن مقاربة هذه الفكرة عبر قضية ضرب الأطفال تفتح باب الالتباس على مصراعيه، إلى درجة تترك المُشاهد في حيرة من أمره في شأن ما يريد الفيلم الافصاح عنه. والأخطر أن مونجيو يضع، ضمنياً، النروج في موقع مماثل لرومانيا ما بعد الشيوعية، وهو تعميم مبالغ فيه إلى حد بعيد.

 

فيرجيني إيفيرا وتاو أوكاموتو أفضل تمثيل.
فيرجيني إيفيرا وتاو أوكاموتو أفضل تمثيل.

 

صحيح أيضاً أن "فيورد" يتمتع ببعض المزايا، إلا أن أفلاماً أخرى امتلكت سطوة سينمائية أكبر علينا. ورغم الاحترام الذي حظي به الفيلم من البعض، فإن المزاج النقدي العام في أروقة المهرجان مال أيضاً إلى أعمال أخرى. الأميركي جيمس غراي، مثلاً، خرج مرة جديدة بلا جائزة بفيلمه "نمر من ورق"، مؤكّداً العلاقة الملتبسة التي تربطه بالمهرجان منذ سنوات. وكذلك الحال بالنسبة إلى الإسباني بدرو ألمودوفار الذي عاد بدوره من دون أي تتويج، رغم مشاركته في كانّ للمرة السابعة.

الفيلم الذي بدا الأقرب إلى صناعة لحظة سياسية وفنية في آن واحد، هو "مينوتور" للروسي أندريه زفياغينتسف، الفائز بـ"الجائزة الكبرى" ("الغران بري"). فتكريم عمل كهذا بدا مدفوعاً بالعاطفة والعقل في آن واحد: بالعاطفة لأن مخرجه "عاد" من حافة الموت بعد فترة في الغيبوبة، وبالعقل لأن الفيلم يقدّم واحداً من أكثر النصوص السينمائية ذكاءً في مقاربة روسيا المعاصرة من داخل أكثر فضاءاتها حميمية: السرير الزوجي.

 

”خلاصنا“ لإيمانويل مار: جائزة السيناريو.
”خلاصنا“ لإيمانويل مار: جائزة السيناريو.

 

الفيلم يبدو ظاهرياً حكاية خيانة زوجية عادية كتلك التي تحصل كلّ يوم في أي مكان من العالم، لكنه في الحقيقة تشريح كامل لبنية العنف داخل روسيا المعاصرة، في ظلّ الحرب على أوكرانيا. الزوج (ديمتري مازوروف) الذي يشعر بأن عالمه مهدّد، لا يجد سوى العنف وسيلة لاستعادة هيمنته. وفي الخلفية، تتسرّب الحرب الأوكرانية عبر نشرات الأخبار وصور التعبئة العسكرية، يقول زفياغينتسف من خلالها إن العنف الذي يحكم العلاقة بين الدولة والفرد هو نفسه الذي يحكم العلاقة بين الدول. عند تسلّمه الجائزة، وجّه المخرج رسالة إلى فلاديمير بوتين، قائلاً إن ملايين البشر من الطرفين "يحلمون فقط بأن تتوقّف المجازر".

في المقابل، خطف البولندي بافل بافليكوفسكي قلوب عدد كبير من النقّاد عبر "أرض الأجداد"، الفيلم الذي بدا أقرب إلى تأمّل جنائزي في ألمانيا ما بعد الحرب. العمل يتتبّع رحلة الكاتب الألماني  توماس مان (هانز زيخلر) وابنته (ساندرا هولر) عبر بلد محطّم. لقطات بالأسود والأبيض، حوارات محسوبة، ونظرة تلتقط الخراب الأوروبي الذي كان سيتولد منه بلد جديد. وقد تقاسم بافليكوفسكي جائزة الإخراج مع الثنائي الإسباني خافيير كالفو وخافيير أمبروسي عن "الكرة السوداء"، فيلم يمر عبر ثلاثة أزمنة مختلفة من تاريخ إسبانيا، تحت ظلّ دائم للشاعر فيدريكو غارسيا لوركا. 

 

”المغامرة المتخيلة“ لفاليسكا غريسباخ: جائزة لجنة التحكيم.
”المغامرة المتخيلة“ لفاليسكا غريسباخ: جائزة لجنة التحكيم.

 

جائزة السيناريو ذهبت إلى الفرنسي إيمانويل مار، مخرج "خلاصنا"، عمل ممتاز يعود إلى زمن حكومة فيشي خلال الحرب العالمية الثانية، متتبّعاً كاتباً (سوان أرلو) يحاول تبرير تعاونه الأخلاقي والفكري مع السلطة الجديدة باسم "إنقاذ فرنسا". ومن بين المفاجآت اللافتة، برز تتويج الألمانية فاليسكا غريسباخ بجائزة لجنة التحكيم عن "المغامرة المتخيلة"، وهو فيلم طويل ومتداخل البنية، يدور على تخوم بلغاريا واليونان وتركيا، حيث تختلط الأعمال المشبوهة بالتاريخ والرغبات المؤجّلة. في جوائز التمثيل، اختارت اللجنة منح جائزتي أفضل ممثّل بالمناصفة إلى البلجيكيين إيمانويل ماكيا وفالنتان كامبان عن "جبان" للبلجيكي لوكاس دونت (عودة أخرى إلى الحروب الأوروبية)، بينما نالت (البلجيكية أيضاً) فيرجيني إيفيرا (نجمة كانّ 79؟) واليابانية تاو أوكاموتو جائزة التمثيل عن "فجأةً" للياباني ريوسوكي هاماغوتشي، وهو فيلم بدأ كحكاية حميمة داخل دار رعاية للمسنّين قبل أن يتحوّل تدريجاً إلى مواجهة فكرية مع الرأسمالية وأنظمة الطبّ الحديثة.

 

باربرا سترايسند غابت عن تكريمها.
باربرا سترايسند غابت عن تكريمها.

 

في ختام لم يخلُ من لحظات هزلية عابرة (نعت بافليكوفسكي إخراج الأمسية بـ"الكارثي" وهو يتسلّم… جائزة الإخراج!)، استعاد المهرجان شيئاً من هوليوود الكلاسيكية عبر منح باربرا سترايسند "سعفة فخرية" عن مجمل مسيرتها. إلا أن النجمة البالغة 84 عاماً غابت بسبب إصابة في ركبتها، لتظهر عبر رسالة مصوّرة، بينما ألقت إيزابيل أوبير كلمة عاطفية في حبّها. 

* * *

مونجيو في "النهار"

بنى كريستيان مونجيو مجده السينمائي على "أربعة أشهر، ثلاثة أسابيع ويومان"، الفيلم الذي أحدث زوبعة في مهرجان كانّ عام 2007، قبل أن ينال بعد 19 عاماً "سعفة" جديدة. حاورته "النهار" في مناسبات عدّة. هنا مقطع من لقاء جمعنا به في تشرين الثاني/أكتوبر 2012.  

 

يوم التقت ”النهار“ مونجيو.
يوم التقت ”النهار“ مونجيو.

 

* بعد ثلاثة أفلام روائية طويلة، هل يمكن القول إنك وجدت أسلوبك؟
- سؤال في محلّه. الجواب: لا أعرف. قبل تصوير "خلف التلال"، سألتُ نفسي: هل وجدتُ ذاتي في الطريقة التي أصوّر بها الأشياء؟ وهل أستطيع الآن الخروج منها؟ هذه المرة، بصراحة، لم أتمكّن من ذلك. عملتُ بحرية كاملة، بحرية أكبر من أي وقت مضى، لكن لم تتح لي فرصة اختبار شيء آخر، شيء يسمح لي بالقول إن هناك أساليب مختلفة يمكنها التعبير عن أفكاري.

* إحدى التيمات الرئيسية في أعمالك هي الشعور بالذنب. من أين يحضر هذا الشعور في سينماك؟
- هو نابع من المواقف الأخلاقية التي وجدتُ نفسي مضطراً إلى اتّخاذها حين وُضعتُ أمام معضلة معينة. وعندما تكون في وضع كهذا، فمهما فعلتَ، يبقى الذنب رفيقاً دائماً لك.

* بعد سقوط الشيوعية، تحوّلتْ رومانيا إلى حقل تجارب حديث لما قد يؤول إليه المجتمع الأوروبي. سؤالي: أيهما أصعب على السينمائي، أن يعيش في بلاد مستقرة حيث عليه أن يخترع الحكايات، أم في بيئة مكتظّة بها؟
- هناك مشكلات كثيرة أيضاً في بلد مثل بلغاريا، ومع ذلك لا أرى عدداً كبيراً من الأفلام البلغارية المهمّة التي تنقل هذا الواقع. لذلك لا أرى علاقة مباشرة وواضحة بين ما يعانيه أي بلد والسينما التي تُنتَج فيه. خذ مثلاً البلدان التي خاضت الحروب: غالباً ما يحتاج الأمر إلى ما لا يقل عن عشر سنوات قبل أن يبدأ السينمائيون بإنجاز أفلام عن الحرب التي عاشوها. في معظم الأحيان، يفضّلون الالتفات إلى أشياء أخرى.

الأكثر قراءة

تعمل السلطات على وضع حواجز لمنع المواد السامة من تلويث المجاري المائية أو المحيط الواقع على مسافة كيلومترات.
منبر 5/23/2026 10:14:00 AM

هل تستضيف برلين مجدداً بطلب من جهة محايدة مفاوضات غير مباشرة بعيدة عن الاضواء بين "حزب الله" وايران واسرائيل للتفاهم على انهاء حال الحرب بينها على غرار مفاوضات العام 2000 التي أدت الى إنهاء الاحتلال للجنوب في آيار من العام المذكور .

لبنان 5/24/2026 12:59:00 PM
صحيفة "نيويورك تايمز": الاتفاق المرتقب سيشمل "إنهاء المواجهات على جميع الجبهات"