كانّ 79 - "مينوتور": زفياغينتسف يفضح روسيا من داخل السرير الزوجي

ثقافة 20-05-2026 | 20:36

كانّ 79 - "مينوتور": زفياغينتسف يفضح روسيا من داخل السرير الزوجي

يعود زفياغينتسف إلى الإخراج في مهرجان كانّ السينمائي بعد غياب دام قرابة عقد.
كانّ 79 - "مينوتور": زفياغينتسف يفضح روسيا من داخل السرير الزوجي
"مينوتور" لأندريه زفياغينتسف.
Smaller Bigger

شعوب العالم تنجز سينما من باب الترفيه أو الفعل الثقافي والفنّي، أمّا الروس فيصنعونها كضرورة وجودية. أفلام أندريه زفياغينتسف استعارات سياسية، تتخفّى داخل قوالب من الدراما العائلية. في فيلمه الجديد "مينوتور"، المشارك في مسابقة الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كانّ السينمائي (12 - 23 أيار/مايو)، يعود زفياغينتسف إلى الإخراج بعد غياب دام قرابة عقد، فرضته الوعكة الصحية التي ألمّت به خلال جائحة كورونا. يستلهم الفيلم، بصورة أو بأخرى، "المرأة الخائنة" لكلود شابرول (1969)، - ذلك العمل الذي أعاد أدريان لاين تشويهه لاحقاً في نسخة إثارية فاقدة لروح الأصل - حيث شنّ المخرج الفرنسي الكبير هجوماً منظّماً على البورجوازية الريفية، كاشفاً كيف يمكن الجريمة أن تُرتكَب داخل منظومة اجتماعية تبدو متماسكة من الخارج، ولا يؤدّي ذلك إلى انهيارها. فخلف الأناقة البورجوازية الهادئة، يكمن عنف منهجي، يكاد يكون جزءاً عضوياً من البنية نفسها. زفياغينتسف ينقل هذه الفكرة إلى روسيا المعاصرة، لكن في سياق أكثر قتامةً، حيث ان الحرب التي تشنّها بلاده على أوكرانيا تغذو واقعاً كاسحاً يبتلع كلّ شيء، ويعيد تشكيل العلاقات والأخلاق وحتى الحياة اليومية تحت وطأته.

هذا الخط السردي يبقى حاضراً بوضوح في فيلم زفياغينتسف. فالحكاية، في جوهرها، لا تزال نفسها: امرأة (إيريس ليبيديفا) تخون زوجها (ديمتري مازوروف) مع مصوّر (يوري زافالنيوك)، مدفوعةً بالملل وبإحساس متنام بأنها تستحق حياة أكثر امتلاءً. يراقبها الزوج، يكتشف هوية العشيق، ثم يقتله بدم بارد، قبل أن تعود الحياة الزوجية إلى إيقاعها الطبيعي.

 

حرب وخيانة في روسيا المعاصرة.
حرب وخيانة في روسيا المعاصرة.

 

زفياغينتسف يحمّل هذه البنية الكلاسيكية طبقات إضافية من الواقع الروسي المعاصر. يضعها في مناخ بلد يعيش تحت ضغط الحرب مع أوكرانيا، وسط التعبئة العسكرية، وحشد آلاف الشبّان للقتال باسم الدفاع عن الوطن وقيمه. هكذا يتحوّل الفيلم تدريجاً إلى "ميكروكوزم" لروسيا في عهد فلاديمير بوتين. صورة مصغّرة لمجتمع يعيش في كنف العنف والخوف والتملّك والهوس بالبقاء.

الخيانة هنا ليست أزمة أخلاقية تهدّد العلاقة الزوجية أو تضعها على حافة الانهيار، وإنما هي أقرب إلى عارض من عوارض جسد اجتماعي، مريض بالرغبة في السيطرة والدفاع عن الذات مهما بلغت التكلفة. القتل نفسه لا يُقدَّم باعتباره انفجاراً، بقدر ما يأتي كامتداد طبيعي لمنطق القوة السائد. ما يُسمَح به للقوي، يُحرَّم على الضعيف، وما يُغتفر للبعض، قد يكون مدمّراً لآخرين.

العائلة عند زفياغينتسف ليست سوى صورة مصغّرة عن روسيا المعاصرة، بكلّ ما تختزنه من خوف وتسلّط وتأكل أخلاقي. هذه التيمة حضرت بوضوح في عدد من أفلامه السابقة، غير أن عمله الجديد يذهب بها إلى مدى أبعد، وإن بدا، ظاهرياً، أكثر كتماناً. الخيانة هنا لا تُعاش، من جانب الزوج، كجرح عاطفي فحسب، بل كاعتداء على "السيادة" نفسها. ومن هذا المدخل تحديداً ينبغي قراءة الفيلم، إذ عندها فقط يكتسب الربط مع التعبئة الروسية والحرب بُعده الحقيقي. فالدولة بدورها تتعامل مع أي فقدان للسيطرة بالطريقة ذاتها التي يتعامل بها الزوج الغيور مع خيانة زوجته: تحويل الجرح النرجسي إلى استعراض للقوة. هذا التسرب المستمر بين الخاص والسياسي، بين السرير والسلطة، يكاد يشكّل العصب المركزي في سينما زفياغينتسف.

 

”سعفة“ أولى لزفياغينتسف؟
”سعفة“ أولى لزفياغينتسف؟

 

مع "نمر من ورق" لجيمس غراي، يقترب الفيلم من نموذج العمل السينمائي المكتمل، حيث يخدم كلّ تفصيل صغير بناء رؤية كليّة متماسكة، لا تفلت من قبضتها. وفي هذا السياق، يبدو زفياغينتسف حرّيفاً إلى حدّ كبير، فنّاناً رؤيوياً من الطراز الرفيع، وسيدّاً في فنّ السرد المنمّق البارد: يروي حكاياته بشجاعة أدبية لا مثيل لها، كأنه يهبط بالشخصيات إلى قاع الجحيم. يرينا انزلاقاً تدريجاً لعائلة، وبالتالي لبلد بأكمله، من دون أن يضع في اعتباره منطق العقاب.

يقدّم الفيلم، في نهاية الجولة، خطاباً سينمائياً كبيراً عن روسيا، لعله من أكثر الخطابات دقّة، من دون أن يُسقط الفرد من حسابه. فداخل هذا البناء الوطني الشاسع، تبقى للرغبات الفردية مكانها، بكلّ غموضها وتعقيداتها. أما شخصية الزوجة، فلا يعود الحبّ إليها إلا في اللحظة التي تتأكّد فيها من استعداد الزوج لارتكاب القتل من أجلها، على أساس ان العاطفة لا تُستعاد إلا عبر اختبار أقصى درجات العنف والولاء في آن واحد. وهذا البُعد يمكن ربطه، مجازياً، بسلوك السلطة الحاكمة نفسها، حيث يتحوّل الحبّ/الانتماء إلى الوطن علاقة مشروطة بإثبات القوّة المطلقة، وإظهار الاستعداد الدائم للعنف باسم الحماية.

 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/20/2026 3:21:00 AM
أحمد الشرع يعتذر لأهالي دير الزور بعد تصريحات والده المثيرة للجدل
اقتصاد وأعمال 5/20/2026 12:26:00 PM
توازيا مع عملية الإصدار، ستحتاج المصارف اللبنانية إلى تحديث برمجيات الصرافات الآلية وأجهزة عدّ الأموال للتعرف إلى الفئات الجديدة ومواصفاتها التقنية
لبنان 5/19/2026 10:50:00 AM
يتحول الطقس تدريجياً إلى متقلب مع أمطار متفرقة ورياح ناشطة تصل أحياناً ٧٥ كلم/س مع ارتفاع لموج البحر ويستمر حتى مساء يوم الخميس
لبنان 5/19/2026 2:15:00 PM
اعتماد أحكام القانون الرقم 194 الصادر عام 2011 بالنسبة إلى المبعدين، واعتبار أحكامه نافذة