مهرجان كانّ السينمائي... كيف أصبح أهم حدث في السينما العالمية؟

ثقافة 13-05-2026 | 11:57

مهرجان كانّ السينمائي... كيف أصبح أهم حدث في السينما العالمية؟

تاريخ مهرجان كان السينمائي من الحرب العالمية إلى عاصمة السينما العالمية.

مهرجان كانّ السينمائي... كيف أصبح أهم حدث في السينما العالمية؟
عمّال يفردون السجّاد الأحمر قبيل حفل افتتاح مهرجان كانّ السينمائي. (أ ف ب)
Smaller Bigger
يُعتبر مهرجان كانّ السينمائي اليوم أهم مهرجان سينمائي في العالم، إذ يجمع بين الفنّ والنجومية وصناعة السينما العالمية في حدث سنوي يتحوّل إلى مركز للثقافة والإعلام والبذخ على حدّ سواء. وفي كلّ شهر أيار/مايو، تتحوّل مدينة كانّ الفرنسية الصغيرة إلى عاصمة عالمية للسينما، فيما يتدفّق النجوم والمخرجون والمنتجون والصحافيون وعشّاق الفن السابع من مختلف أنحاء العالم إلى "الكروازيت" لحضور الحدث الذي بات رمزاً للسينما العالمية الحديثة.

غير أنّ مهرجان كانّ، خلف السجّاد الأحمر وفساتين الأزياء الراقية وومضات المصوّرين، هو قبل كلّ شيء مؤسسة ثقافية وسياسية أدّت دوراً أساسياً في صياغة تاريخ السينما الحديثة، وتحولت على مدى عقود إلى مرآة للتحوّلات الفنية والثقافية والسياسية في العالم.


مهرجان كان السينمائي

ولادة ارتبطت بالسياسة والحرب

وُلد المهرجان رسمياً عام 1939، في سياق توتّرات دولية متصاعدة. ففي ذلك الوقت، كانت "موسترا البندقية" - أول مهرجان سينمائي كبير في العالم - تُتَّهم بالخضوع لتأثير الأنظمة الفاشية في إيطاليا وألمانيا. لذلك، أرادت فرنسا إنشاء مهرجان حرّ ومستقلّ عن الضغوط السياسية.

 

الممثلة إليزابيث تايلور وزوجها مايك تود في مهرجان كان السينمائي. ‏(4 أيار/مايو 1957 - أ ف ب)
الممثلة إليزابيث تايلور وزوجها مايك تود في مهرجان كان السينمائي. ‏(4 أيار/مايو 1957 - أ ف ب)

 

كان من المقرّر افتتاح الدورة الأولى في أيلول/سبتمبر 1939. لكن بعد أيام قليلة من وصول الضيوف، اندلعت الحرب العالمية الثانية، فأُلغي المهرجان قبل انطلاقه الفعلي.

لم يُبعث مهرجان كانّ رسمياً من جديد إلا عام 1946، في أوروبا التي كانت لا تزال تعيش صدمة الحرب. ومنذ بداياته، أراد المهرجان أن يكون رمزاً للحرية الفنية وللحوار الدولي عبر السينما.

أهم مهرجان سينمائي في العالم؟

على امتداد العقود، تحوّل كانّ تدريجياً إلى أكثر مهرجانات السينما هيبةً في العالم. أما جائزته الكبرى، "السعفة الذهب"، فاكتسبت مكانة تكاد تكون مقدّسة داخل الصناعة السينمائية.

 

الممثلة الإيطالية صوفيا لورين في مهرجان كانّ السينمائي. (4 أيار/مايو 1966 - أ ف ب)
الممثلة الإيطالية صوفيا لورين في مهرجان كانّ السينمائي. (4 أيار/مايو 1966 - أ ف ب)

 

الحصول على "السعفة" قادر على تغيير مسيرة مخرج بالكامل، أو منح فيلم مستقلّ حضوراً عالمياً، أو تكريس مكانة أحد كبار المؤلفين السينمائيين بصورة نهائية. وقد بنى عدد من كبار السينمائيين أسطورتهم في كانّ، من بينهم: فيديريكو فيلليني، إنغمار برغمان، مارتن سكورسيزي، فرانسيس فورد كوبولا، كوينتن تارانتينو، جين كامبيون، عباس كيارستمي، بونغ جون-هو.

كما قدّم المهرجان للعالم مجموعة أفلام أصبحت علامات فارقة في تاريخ السينما، مثل "لا دولشي فيتا" لفدريكو فلليني (1960)، "سائق التاكسي" لمارتن سكورسيزي (1976)، "خيال رخيص" لكوينتن تارانتينو (1994)، "طُفيلي" لبونغ جون هو (2019)، وغيرها.

 

مهرجان بين الفنّ والصناعة

تكمن إحدى خصوصيات مهرجان كانّ في وجهه المزدوج. فمن جهة، يدافع المهرجان عن سينما المؤلف، والأعمال الطموحة، والتجارب الفنية، والأفلام الآتية أحياناً من دول قليلة الحضور في الصناعة السينمائية العالمية.

 

بونغ جون هو الفائز بسعفة كانّ إلى جانب كاترين دونوف. (26 أيار/مايو 1966 - أ ف ب)
بونغ جون هو الفائز بسعفة كانّ إلى جانب كاترين دونوف. (26 أيار/مايو 1966 - أ ف ب)

 

ومن جهة أخرى، يُعدّ كانّ أيضاً سوقاً اقتصادية ضخمة. إذ يجمع "سوق الفيلم" سنوياً المنتجين والموزّعين ومنصّات البثّ التدفقي ضمن مفاوضات قد تحدّد مصير مئات الأفلام.

بمعنى آخر، يُعتبر كانّ حدثاً ثقافياً بالدرجة الأولى، ومركزاً استراتيجياً للاقتصاد السينمائي العالمي أيضاً.

كيف تغيّر مهرجان كانّ مع نتفلكس والأزمات؟

شهد المهرجان تحوّلات هائلة منذ خمسينيات القرن الماضي. فبعدما كان في بداياته أوروبياً إلى حدّ كبير وتحت هيمنة القوى السينمائية الغربية الكبرى، انفتح كانّ تدريجياً على العالم بأسره. وأصبحت السينمات الآسيوية والإفريقية والعربية واللاتينية تحتلّ اليوم موقعاً أساسياً داخله.

كما اضطرّ المهرجان إلى التكيّف مع سلسلة من التحوّلات الكبرى، من بينها: العولمة الثقافية، ظهور المنصّات مثل "نتفلكس"، النقاشات المرتبطة بالتنوّع والتمثيل، حركة #MeToo لكشف ومناهضة التحرّش والاعتداءات الجنسية خصوصاً في مجالات الفنّ والإعلام والسياسة، الأزمات السياسية والجيوسياسية، وجائحة كوفيد-19.

 

مشهد من جادة لا كروازيت عشية انطلاق مهرجان كانّ السينمائي 2026. (أ ف ب)
مشهد من جادة لا كروازيت عشية انطلاق مهرجان كانّ السينمائي 2026. (أ ف ب)

 

من أبرز السجالات الحديثة تلك المرتبطة بمكانة البثّ التدفقي. ففي عام 2017، أثار وجود أفلام من إنتاج "نتفلكس" جدلاً واسعاً داخل المهرجان. وانتهى الأمر بفرض كانّ قاعدة تنصّ على أنّ أي فيلم يشارك في المسابقة الرسمية يجب أن يُعرض في صالات السينما في فرنسا.

ويعكس هذا القرار رغبة المهرجان في الدفاع عن التجربة الجماعية لمشاهدة السينما في مواجهة التحوّلات الرقمية.

 

قوة رمزية لـ"صعود الدرج" في كانّ

تحوّل "صعود الدرج" الشهير إلى واحدة من أكثر الصور أيقونية في الثقافة الشعبية العالمية. لكن هذا الطقس يتجاوز بكثير مجرّد البعد الاجتماعي أو الاستعراضي. فالدعوة إلى كانّ تعني غالباً الانتماء إلى شكل من أشكال النخبة الثقافية الدولية. ويعمل المهرجان كآلة لصناعة الهيبة والسمعة، وأحياناً لصناعة الأساطير.

على مرّ السنوات، أسهمت شخصيات مثل بريجيت باردو، وصوفيا لورين، وآلان ديلون، وكاترين دونوف، وميريل ستريب، وليوناردو دي كابريو، في تغذية هذه الهالة التي تكاد تكون أسطورية.

مهرجان كانّ اليوم: هيبة وأسئلة مُلحّة

على الرغم من نفوذه الهائل، يواجه المهرجان باستمرار انتقادات متكرّرة. فثمّة من يتّهمه بالنخبوية، أو بضعف التمثيل، أو بالقرب المفرط من صناعة الرفاهية والعلامات التجارية الكبرى. في المقابل، يرى آخرون أنّ كانّ لا يزال واحداً من المساحات النادرة التي يمكن لسينما المؤلف أن تحظى فيها برؤية عالمية داخل مشهد تهيمن عليه الامتيازات الهوليوودية الكبرى وخوارزميات المنصّات.

هذا التوتّر بين التقليد والحداثة يشكّل اليوم جوهر هوية المهرجان نفسه.

أكثر من مجرّد حدث سينمائي، أصبح مهرجان كانّ مرآةً للتحوّلات الثقافية والسياسية والاقتصادية في العالم المعاصر. وبعد نحو ثمانية عقود على تأسيسه، لا يزال مهرجان كانّ السينمائي الحدث الأبرز في عالم السينما، والمرآة التي تعكس تحوّلات الفنّ والثقافة والصناعة السينمائية العالمية.

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/12/2026 9:20:00 PM
الإمارات العربية المتحدة تعلن إدراج 21 فرداً وكياناً على قائمة الإرهاب المحلية
كتاب النهار 5/12/2026 10:58:00 AM
تواجه بلدية بيروت ووزارة الشؤون الاجتماعية مشكلة في نقل نازحين في الخيم، عند الواجهة البحرية لبيروت إلى المدينة الرياضية أو إلى مدارس تؤوي نازحين مثلهم
لبنان 5/12/2026 11:50:00 AM
شدد قاسم على أن "الاتفاق الإيراني- الأميركي الذي يتضمن وقف العدوان على لبنان يكاد أن يكون الورقة الأقوى لإيقاف العدوان"...