المخرج كريم شبلي يُمسرح حياة القدّيس شربل تكريماً لريمون جبارة واستعادةً لإرثه

ثقافة 11-05-2026 | 09:17

المخرج كريم شبلي يُمسرح حياة القدّيس شربل تكريماً لريمون جبارة واستعادةً لإرثه

إحياء نصّ ريمون جبارة برؤية معاصرة ترى في القديس شربل إنساناً يواجه الخوف والحرب والشكّ.
المخرج كريم شبلي يُمسرح حياة القدّيس شربل تكريماً لريمون جبارة واستعادةً لإرثه
الممثل جوزف ساسين في دور القديس شربل. (كريم شبلي)
Smaller Bigger

عام 1977، بينما كانت الحرب الأهلية تلتهم المجتمع اللبناني، والثقافة عينٌ هشّة تُقاوم مئة مخرز، قدّم الراحل الكبير ريمون جبارة حياة مار شربل بمسرحيّة استحضرت روحية الطوباوي وإنسانيّته وآلامه، بينما كانت الكنيسة تترقّب إعلان قداسته في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر.

نصف قرنٍ بين زمن "شربل" ريمون جبارة وزمننا. الحرب ما زالت هنا، تدور رحاها فوق أجسادنا وأرواحنا، تنهش وتسحق وتطحن. وبعد نصف قرن، كان لا بدّ من العودة إلى المسرحية التي أراد جبارة من خلالها رسم ملامح شربل الإنسان، والطفل الذي خسر والده في حرب ليست حربه. كان لا بدّ من العودة إلى روحيّة شربل الإنسان الذي يتعذّب مثلنا، يتألّم مثلنا، يساوره الشك ويمتحنه الشرّ.

 

"صورة رمادية لإنسان مسحوق"

عام 1998، بعد واحد وعشرين عاماً من العروض المتواصلة، كتب الناقد الراحل نزيه خاطر في "النهار": "'شربل' لريمون جبارة: صورة رمادية لإنسان مسحوق في مجتمع يطفو على عُيُوبه"، واصفاً العمل بأنّه "أقلّ العروض انتساباً إلى مسرح ريمون جبارة. النواقص عديدة، النكتة الصفراء، الإيقاع العبثي، والتصادم الخام بين الشخصيات، ولكن أولاً، الصورة الرمادية للإنسان المسحوق وهو الضحية بامتياز لمجتمع أكول يطفو على عيوبه كأنّه أضاع نهائياً معنى الرحمة".

 

جانب من مسرحية “شربل“. (كريم شبلي)
جانب من مسرحية “شربل“. (كريم شبلي)

 

وفي وصفه أجواء المسرحية، ننقل عن خاطر، الناقد الكبير الذي كان أشبه بشرطيّ الفن التشكيلي والمسرح، قوله إنّ "المسرحية تدور على ركائز بشرية ومن ثمّ درامية تحمل ضمناً الشكل البريء لعالم يقدّمه ريمون جبارة بصورته المثالية. وشربل كما يرسمه المسرحي، إنسان حرّ ونقي ومطلوب من الله، وكان عليه ليحقّق ذاته الانتصار على فتاة يعلم أنّها تحبّه، وعلى أمّ يعلم أنّها تحتاج إليه، وأبٍ وإن ليس أباه يريده إلى قربه. وشربل كرجل صوّان، صلب بإرادته ومتماسك في فكره وثابت في إيمانه، أي أنّه رجل على نقيض الرجال في مسرح ريمون جبارة".

ولأنّه كان لا بدّ لنا من العودة إلى روحيّة شربل الإنسان، قدّم المخرج كريم شبلي نسخته من مسرحية جبارة على مسرح كازينو لبنان ليلتي الخميس والجمعة، تكريماً للراحل، بمشاركة طلّاب المسرح في "جامعة الروح القدس" – الكسليك والممثل جوزف ساسين، على الخشبة نفسها التي عُرضت عليها المسرحية الأولى ذات مرّة.

 

المسرح فعل حيّ ومتغيّر

لكنّ العودة هنا لم تكن محاولة لإحياء الماضي بقدر ما كانت محاولة لإيقاظه من جديد داخل الحاضر. تعامل شبلي مع النصّ كمادة حيّة قابلة لأن تُختبر مجدداً أمام جيل جديد يعيش قلقه الخاصّ وحروبه الخاصّة. لذلك بدأت الرحلة، كما يقول لـ"النهار"، من النصّ نفسه؛ من الجلوس الطويل مع الطلاب أشهراً كاملة لتفكيك المشاهد، والإنصات إلى إيقاع الكلمات، والبحث عمّا يختبئ خلفها من خوف وتجربة وضعف وقوّة.

 

جانب من مسرحية “شربل“. (كريم شبلي)
جانب من مسرحية “شربل“. (كريم شبلي)

 

لم يشأ شبلي أن يغيّر نصّ جبارة، لأنّ النصوص الكلاسيكية، في رأيه، تُقارَب بالاحترام لا بالهدم. لكنّه في المقابل، لم يكن يريد إعادة إنتاج العرض كما كان، لأنّ ذلك لا يصنع مسرحاً بل يصنع نسخةً. من هنا، وُلدت الرؤية الإخراجية داخل الصفّ نفسه، في مساحة تداخلت فيها رؤيته كمخرج وأستاذ مع اقتراحات الطلاب وأسئلتهم ومحاولاتهم، لأنّ الهدف كان تدريبهم على التفكير بالمسرح باعتباره فعلاً حيّاً ومتغيّراً.

في هذه القراءة الجديدة، صار الشرّ أشبه بصوت داخلي يرافق شربل يومياً؛ ذلك الصوت الذي يزرع الخوف والشكّ ويجرّ الإنسان نحو السقوط. هكذا بدا القديس، في معالجة شبلي، إنساناً يخوض حرباً داخلية، لكنه، في الوقت نفسه، لم يكن شخصية هشّة أو منكسرة، بل قادرة على مقاومة ما يهدّدها من الداخل، تملك صلابة روحية تسمح لها بالعبور فوق التجربة.

لهذا تعمّد العرض الابتعاد عن الصورة التقليدية للقديسين بوصفهم شخصيات مطأطئة الرأس. في رؤية شبلي، تكمن القداسة أيضاً في القدرة على رفع الرأس والنظر إلى الأعلى، لأنّ شربل، روحياً، كان يعيش نحو السماء حتى وهو غارق في الأرض وأوجاعها. وهي دعوة "لا تخصّ القديس وحده، بل الإنسان نفسه"، يُخبرنا شبلي، "أي أن يبقى متشبثاً بما هو أسمى رغم الخراب المحيط به".

 

"التاريخ لا يتغيّر كثيراً"

من هنا أيضاً جاءت راهنية النصّ. فكما اضطرّ والد شربل إلى الذهاب إلى حرب لا تشبهه، لا يزال كثيرون اليوم يجدون أنفسهم أسرى حروب لم يختاروها. بالنسبة إلى شبلي، لا يتغيّر التاريخ كثيراً، لأنّ الصراع الإنساني يبقى هو نفسه، سواء ظهر في هيئة حرب أهلية، أو في هيئة خوف داخلي يأكل الإنسان بصمت. ولهذا تبقى النصوص الكبرى حيّة، لأنّها تلامس جوهر الحقيقة البشرية نفسها.

 

جانب من مسرحية “شربل“. (كريم شبلي)
جانب من مسرحية “شربل“. (كريم شبلي)

 

على الخشبة، بدا كلّ شيء قائماً على الحدّ الأدنى، لكنّ هذا الحدّ الأدنى كان مشبعاً بالمعنى. الممثلون ظهروا بملابسهم اليومية: جينز، قمصان عادية، أحذية تشبه أحذية الناس الخارجين للتوّ من شوارع بيروت. ثم كانوا يبدّلون أزياءهم أمام الجمهور مباشرة، من دون محاولة لإخفاء الانتقال بين الشخص والممثل والشخصية. العرض أراد أن يقول إنّ من يقف هنا ليس القديس نفسه، بل شبّان من هذا الزمن يحاولون، عبر المسرح، الاقتراب من حكايته ومن هشاشتهم هم أيضاً.

حتى الديكور خرج من ذاكرة البيوت اللبنانية القديمة: كراسيّ بسيطة تحوّلت إلى كنيسة، وسرير، وقنطرة، وطاولة، وفضاء للرهبنة والموت والانتظار. وعلى الخشبة نفسها، كان الموسيقيون يصنعون المؤثرات الصوتية مباشرة بآلتين فقط، ضمن رؤية تقوم على المينيمالية والتجرّد من الزوائد.

هذه البساطة كان موقفاً أراد شبلي تسجيله، إذ إنّ المسرح، بالنسبة إليه، "يجب أن يشبه الناس، لا أن ينفصل عنهم بعروض مترفة فيما البلاد تغرق في أزماتها وحروبها وانهياراتها". لذلك ارتكز العرض على جسد الممثل وصوته والعمل الجماعي.

"شربل" بتوقيع كريم شبلي فعل إيمان بالمسرح نفسه. النصوص الجميلة لا يمكن أن تبقى حيّة إذا حُبست في الماضي، ولكن تحتاج دائماً إلى من يعيد وصلها بالحاضر. وعرض المسرحية أشبه بمحاولة جماعية لالتقاط شيء من الضوء وسط هذا العتم اللبناني الطويل؛ محاولة للقول إنّ المسرح، حتى في أكثر الأزمنة قسوة، يبقى قادراً على إعادة الإنسان إلى هشاشته الأولى، وإلى أسئلته الكبرى، وإلى تلك الحاجة القديمة جداً إلى الرحمة.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/9/2026 11:05:00 PM
جرى خلال الاتصال، استعراض علاقات التعاون بين البلدين وسبل دعمها وتعزيزها...
الخليج العربي 5/10/2026 1:02:00 PM
وزارة الدفاع الكويتية: القوات المسلحة رصدت فجر اليوم عدداً من المسيّرات المعادية داخل المجال الجوي الكويتي وتمّ التعامل معها وفق الإجراءات المعتمدة
المشرق-العربي 5/9/2026 11:10:00 PM

نص المرسوم رقم (98) لعام 2026 على تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية... جاء تعيينه خلفاً لماهر الشرع، وذلك في إطار توجهات لتعزيز مبدأ فصل العلاقات العائلية عن المسؤولية العامة.

المشرق-العربي 5/10/2026 5:05:00 AM
شقيق الرئيس السوري خارج التشكيلة الحكومية الجديدة... هل يصبح سفيراً في روسيا؟