نادية فارس والدور الذي كسر قلبها... روح داليدا سكنتها وأفلتت منها

ثقافة 18-04-2026 | 19:36

نادية فارس والدور الذي كسر قلبها... روح داليدا سكنتها وأفلتت منها

حلمت نادية فارس بتجسيد دور داليدا وهو ما لم يتحقّق وآلمها.
نادية فارس والدور الذي كسر قلبها... روح داليدا سكنتها وأفلتت منها
نادية فارس يوم جسّدت شخصية داليدا في إعلان ترويجي. (يوتيوب)
Smaller Bigger

هناك من يعبر الشاشة من الممثلات ويمرّ مرور الكرام، وأخريات، وهنّ الأندر، يحملن في داخلهن أدواراً لم تخرج للعلن، ومع ذلك تترك أثراً، كما لو أنّها أُدّيت في مكانٍ ما، في منطقة تُشبه الحدس، خارج حدود المنظور. نادية فارس كانت تنتمي إلى هذه الفئة الثانية.

يخلّف رحيل الممثلة المغربية الفرنسية إحساساً مبهماً، عسير التسمية. لا هو فقدان وجه عُرف بجماله الكثيف، ولا وجهٍ لم تكن جمالياته استعراضية. إنّه شعور بأنّ وعداً ما ينطفئ معها أيضاً، ودوراً ظلّ معلّقاً... دور داليدا.

"انتصارات وانكسارات"
قبل ما يقارب عقداً من الزمن، بدأ هذا الدور يتشكّل كضرورة داخلية لدى نادية فارس. لم تكن تسعى إلى "أداء" شخصية داليدا؛ كانت تريد فهمها من الداخل، ومواكبة تصدّعاتها وتناقضاتها، والاقتراب من ذلك التعايش المربك بين التوهّج علناً والوحدة العميقة. كانت تتحدّث عنها بكلمات تتجاوز حدود المهنة، "امرأة نبيلة المشاعر"، كانت تقول، "سيّدة عظيمة، حياتها، بما فيها من انتصارات وانكسارات، أقرب إلى التراجيديا منها إلى السيرة".

 

الممثلة الفرنسية نادية فارس عام 2023. (أ ف ب)
الممثلة الفرنسية نادية فارس عام 2023. (أ ف ب)

 

هذا الشغف كان أثر من مجرّد فكرة؛ كانت تمتلك الحقوق، بموافقة أورلاندو، شقيق داليدا، المغنّية والممثلة الراحلة. وكانت تفكّر في إنتاج الفيلم، وأن تكون مركزه ونَفَسه. لم تكن الفكرة أن تُدرج المشروع ضمن مسار مهني، بل أن تستجيب لشيء أكثر إلحاحاً وحميميّة، كأنّ الدور هو الذي اختارها، وهذا ما بدا بديهياً على نحو غريب في تجارب الأداء، وفي الصور النادرة التي كانت تتداول حينها. كان ذلك اقتراباً من الشخصية وتماهياً معها بطريقة يصعب تفسيرها.

الشبه كان جسدياً، وأيضاً في النظرة الحادّة و"الميلانكوليّة"، في التحفّظ، في طريقة إظهار الهشاشة من دون تسليمها كاملة. حتى الصوت، تلك النبرة الخاصة جدّاً بداليدا، المولودة من تلاقي لغاتٍ وعوالم عربية وأجنبية في القاهرة الكوزموبوليتية في أربعينيات القرن الماضي، أتقنتها نادية من دون تقليد أو تصنّع. ومع ذلك، لم يُنجَز الفيلم.

داليدا من دون نادية فارس
تعود الأسباب إلى تقلبات السينما المألوفة، من خلافات، وإعادة تشكيل، وهشاشة التعاونات. أخذ المشروع يتفكّك تدريجاً، وأفلت من يدَي المرأة التي حاولت الإمساك به. لم تتجسّد الشراكة الفنّية المتصوّرة مع ليزا أزويلوس (كاتبة الفيلم ومخرجته). ثم فعل الزمن فعله، بصمتٍ وبحسم. انزلق الدور إلى مكانٍ آخر، وإلى جسدٍ آخر، ووجهٍ آخر، ويدين أخريين. وجد أخيراً طريقه للنور، وقد أدّت فيه الموديل الإيطالية سفيفا ألفيتي شخصية داليدا (عُرض الدور أيضاً على الفنانة اللبنانية هبة طوجي التي انشغلت آنذاك بجولات مسرحية "نوتردام دو باري"). ولم يخلُ الفيلم من الهفوات والعثرات ونقاط الضعف التي اعترت بنيته. وبالطبع، لم ينجح تجارياً ولا سينمائياً، ولم يلقَ الصدى الذي لقيته أفلام سبقته، مثل "الحياة الوردية" (بطولة ماريون كوتيار، 2007) الذي تناول حياة إيديث بياف ومأساتها، و"طريقي" (بطولة جيريمي رينييه، 2012) الذي استحضر روح كلود فرانسوا.

 

داليدا عام 1967. (أرشيفية)
داليدا عام 1967. (أرشيفية)

 

بالنسبة إلى نادية فارس، أُجهض الحلم ولم تكتمل الرؤيا. لم تتحدّث عنه بمرارة، ولا بغضب، بل بتلك الصراحة القريبة من القدريّة التي يكتسبها المرء أمام ما يفلت منه. آمن بأنّ بعض الأمور لا ينبغي أن تتحقّق. ربّما قبلت أنّ تجسيد الدور، على الرغم من بداهته، لم يكن لها.

لعلّه هنا يكمن ما يمسّنا اليوم أكثر من غيره. كلّ شيء في هذا المشروع الذي لم يُكتب له أن يتمّ. كان لدى نادية النضج، والتشابه، وتلك القدرة على تقمّص سيرة ومصير من دون المبالغة في الأداء. كانت لتكون داليدا المنزّهة عن أساطيرها، المعادة إلى إنسانيتها وتناقضاتها وتلك الهشاشة التي تكاد لا تُحتمل، والتي جعلت منها أيقونة لم تمُت رغم رحيلها قبل نحو 40 عاماً.

دورٌ لن يُبصر نوراً أبداً، ومع ذلك ترك أثره في قلوب محبّي داليدا ونادية. هل صحيح أنّ بعض الأدوار لا تُقاس بإنجازها وتحقّقها؟ هل تستمرّ على نحوٍ آخر، في شكل حدسٍ مشترك، في ذلك الشعور بأنّ حقيقة ما قد لامستنا، من دون حاجة إلى تثبيتها على الشاشة؟

اليوم، ونحن نفكّر بنادية فارس، يتجلّى حضورها كظلٍّ على تخوم دورٍ يشبهها بعمق. لقاءٌ ما قد حدث، في مكانٍ ما، بين مسارين، بين مصيرين لامرأتين وُسِمَتا بالضوء والوحدة. لقاءٌ صامت، غير مرئيّ، لكنه حقيقي.

في نهاية المطاف، لعلّ هذا ما يبقى لنا: الإحساس بأنّ هناك أدواراً قد لا نؤدّيها، وجِلداً قد لا نلبسه، ومع ذلك يُعرّف بنا وعنّا.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.