الرواية التي تسبَّبت بمحاولة اغتيال نجيب محفوظ... بين "الروائي" و"المقدّس" في "أولاد حارتنا"

ثقافة 13-04-2026 | 11:18

الرواية التي تسبَّبت بمحاولة اغتيال نجيب محفوظ... بين "الروائي" و"المقدّس" في "أولاد حارتنا"

قراءة معمّقة لـ"أولاد حارتنا" تبرز تداخل السرد الروائي بالمقدّس، ودور الخيال في مساءلة الواقع والدفاع عن القيم.
الرواية التي تسبَّبت بمحاولة اغتيال نجيب محفوظ... بين "الروائي" و"المقدّس" في "أولاد حارتنا"
نجيب محفوظ و"أولاد حارتنا". (النهار)
Smaller Bigger

يقدّم الناقد المصري محمد بدوي في كتابه "مملكة الله" (دار العين)، دراسة حول السرد الروائي والسرد المقدّس، وضرورة التمييز بينهما، متخذاً من رواية نجيب محفوظ الإشكالية "أولاد حارتنا"، أنموذجاً تطبيقياً.

كانت هذه الرواية ضمن الأعمال التي نوّهت بها لجنة جائزة نوبل في حيثيات منحها لنجيب محفوظ عام 1988، خصوصاً لجهة مزجها بين الواقعي والرمزي "في تناولها قضايا الوجود والزمن والحب والمجتمع". وأثارت الرواية نفسها جدلاً واسعاً منذ نشرها مسلسلة في جريدة "الأهرام" القاهرية، قبل نشرها بواسطة دار "الآداب" (بيروت، 1963)، ولم تُنشر في مصر إلا في أواخر عام 2006 عن دار "الشروق"، بمقدمة تبرّئها ممّا اتهمت به كتبها المفكر الإسلامي أحمد كمال أبو المجد. أما الحدث الأبرز الذي ارتبط بهذه الرواية فهو أنها كانت السبب المباشر لقيام متطرف ديني بمحاولة اغتيال نجيب محفوظ عام 1994، بطعنه بسكين في رقبته، وهي المحاولة التي ترتبت عليها عاهة مستديمة منعت محفوظ من استخدام يده في الكتابة. وكانت ذريعة المتهم بمحاولة اغتياله أنه يستحق القتل لتطاوله على الدين في تلك الرواية، بناءً على فتوى من مفتي "الجماعة الإسلامية" عمر عبد الرحمن ترجع إلى عام 1989. وهو الكلام نفسه الذي ظل يتردد إجابة عن السؤال بخصوص سبب منع نشرها في مصر بقرار غير معلن يقال إنه خرج من بين أروقة الأزهر.

ثلاثة سياقات
أنجز محمد بدوي في "مملكة الله" قراءة "أولاد حارتنا" في ثلاثة سياقات: أعمال مؤلفها الطويلة والقصيرة أولاً، ثم السرود المقدّسة في أرشيف الأديان التوحيدية بمختلف تجلياتها، ثانياً، والواقع الذي أنتج كاتباً مغامراً، أقدم، مأخوذاً بسحر الكتابة، على تخيّل تاريخ البشر كما صاغته هذه السرود، ليكون "الماضي" قابلاً للاستدعاء من أجل حلم لم يتحقق قط، ولكنه "يجب" أن يظل قادراً على العيش فينا. وفي سياق تمييزه بين "المقدس" و"الروائي"، لاحظ بدوي أن السرد المقدس يأتي حاملاً آثاراً من التأويل وإعادة الإنتاج، "فالمقدس آتٍ من أزمنة سحيقة، وربما يكون قادراً على إرهاب المؤلف فإرباكه، لا سيما إن كان يحيا في فضاء ضاجّ بأصداء القداسة، كالفضاء الذي كتب فيه محفوظ". وفي لغة كالعربية ثمة تخمة بما هو قدسي، كامن في المفردات والعلامات والمجازات ومن هنا، يضيف الناقد، يتسع السرد المقدس، فيتجاوز ما دوِّن في الكتب وتحضر مجدداً "الشفاهية" التي كان عليها السرد في بداياته، بخصائصها في الحذف والإضافة. وفي تراث محفوظ الأدبي نجد آثار هذا السرد المقنَّع؛ لا في "أولاد حارتنا" فحسب، بل في غيرها من الروايات التي سبقتها أو أتت بعدها، بل يمكن أن نلمحها في قراره دراسة الفلسفة؛ بحثاً عمّا سمّاه "سر الوجود".

 

غلاف الدراسة النقدية. (دار العين)
غلاف الدراسة النقدية. (دار العين)

 

وخلص بدوي إلى أنه في سياق "لحظة خطر استثنائية لكاتب امتلأ بأيديولوجيا تحريرية لا تنفصل فيها الديموقراطية عن العدالة، ثم شهد هزيمتها بعد ثورة 1919"، كتبت رواية "أولاد حارتنا" تجربة في اللواذ بالخيال والماضي وقدرتهما على الانعتاق، لا سيما أن التجربة البشرية في الحداثة قد وضعت الوجود في مأزق بعد تسليع العلم وهيمنة التكنولوجيا، وخطر الحروب النووية.

الكتابة الأمثولية
من ثم لاذ محفوظ بالكتابة الأمثولية فراراً من عيون السلطة ورقابتها؛ لكنه مع هذا، يقول بدوي، اصطدم باستعصاء الواقع على التغيير، ولم يعد لديه سوى التبشير الغنائي باليوتوبيا؛ ولهذا سيعيد تأملاته مرة أخرى وعلى نحو مختلف، في هذه المعضلة، في رواية أخرى، اختلفت عن "أولاد حارتنا" في صنعها ولغتها وأساليبها، وهي رواية "الحرافيش".

كان محفوظ في رواياته الأولى قد لجأ إلى حبكات يحاول فيها إنتاج صورة تمثل عظمة الأسلاف، وفي بعضها كان الحاضر واضح القسمات برغم غيابه واقعياً، لكنه حاضر رمزياً عبر الكتابات والاستعارات والتأشير على المشابهة والإسقاط في نمط من الكتابة التي تمرر بين السطور ما لا يمكن قوله على نحو مباشر. ثم أدرك لاحقاً أن "الواقع" أشد تعقيداً من الكتابة عنه، على نحو ما فعل سلفاً. وتبدّى هذا جليّاً في روايات مثل "زقاق المدق"، ومن قبلها في "القاهرة الجديدة"، ووصل إلى قمته في رواية الأجيال الشاسعة الفضاء "الثلاثية". ولكن بعد ثورة 1952، ارتبك الكاتب وصمت، وحين قرر الخروج من تلك الحالة، كان يظن أن الكتابة المقنَّعة ستجعله "شبحاً" يَرى ولا يُرى. وهكذا سعى محفوظ في أواخر خمسينيات القرن الماضي إلى نشر "أولاد حارتنا"، مع أنه كان قد أنهى كتابتها على الأرجح في العام نفسه الذي وصل فيه تنظيم "الضباط الأحرار" إلى الحكم، بمباركة مبدئية من تنظيم "الإخوان المسلمين" قبل أن يتصادم الطرفان على النحو المعروف.

انفلات واتصال
لاحظ بدوي أن وصف محفوظ "أولاد حارتنا" بأنها "حكاية" يرجع إلى رغبته في الانفلات من أفق المعاني الحاكم للسرد المقدّس، ولخطاب التبشير بمزايا الرواية عند دعاتها، معاً، والاتصال في الوقت نفسه باللغة الحيّة السائدة في مجتمع العامة. ويشير بدوي هنا إلى افتتاحية الرواية المدروسة: "هذه حكاية حارتنا، أو حكايات حارتنا وهو الأصدق". وبذلك، يضيف بدوي، خلق محفوظ مع قرائه عنصر اتصال، لاسيما أن الرواية نُشرت أولاً في صحيفة يومية واسعة الانتشار وتُقْرأ من فئات متباينة، لا من مستهلكي الكتاب الأدبي. لكن، يستطرد، ربما يعبر هذا الاستخدام للفظة حكاية عن انحياز للحكاية أو للحبكة، بشكلها الأرسطي، على أقل تقدير لحظة بدا فيها أن "الحكاية" تنتمي إلى ما هو تقليدي وعتيق، وخصوصاً عقب الحرب العالمية الثانية التي ضجَّت بخطابات اليأس والشعور بالاختلال. وهو ما تجلى في "الرواية الجديدة" التي أطلق سارتر عليها وصف "اللارواية". وكان محفوظ يرى أن الوفاء لتطور مجتمعه وتطور ثقافته، يحتم عليه رفض هذه الرواية، التي بشَّر بها كثيرون في الغرب، والتي انكسرت موجتُها على أيدي كُتّاب رواية الأطراف والمستعمرات السابقة، لا سيما رواية أميركا اللاتينية، لكن هذا الانحسار حدث بعد كتابة "أولاد حارتنا" بسنين طويلة، بحسب دراسة بدوي.

 

الروائي المصري نجيب محفوظ. (أرشيفية)
الروائي المصري نجيب محفوظ. (أرشيفية)

 

تبدو "أولاد حارتنا"، كما قرأها بدوي، وكأنها نص قديم كتبه سارد مجهول عن حارته خشية تبدّد تاريخها. وهي بذلك تكون رسالة إلى مجهولين في زمن قد يأتي وقد لا يأتي؛ "نحن مع موقف مشابه إلى حدٍّ ما. المشابهة ماثلة في القدم والغموض، لكن الاختلاف ماثل، فنحن، في النهاية، مع "رواية"، وإن اختلفت مقدمتها على ما عهدناه من روايات للمؤلف، أي مع أحداث مختلفة".

أما الاختلاف الأعمق فكان في اختلاف الإرث؛ فسارد "أولاد حارتنا"، يبدو سرده حِجاجياً، يدافع عن معنى، يبدو لنا عابراً للزمن والتاريخ، وهو الحق في المساواة، وهو شأن دنيوي وإن وُضِع المقدس في خدمته. ومن ثم تشير افتتاحية هذه الرواية، على دفاعها عن المستقبل، وهي تلوذ بالماضي، وعن الدنيوي وهي تلجأ إلى المقدس. وتبدو ضرورة الافتتاحية أيضاً، في مديحها للخيال، كأنها تنفي عنه ما التصق به من معاني الاستلاب والعجز، حين يشيع في بعض الأوساط تعارض الكلام مع الفعل، ولذلك يقول السارد إن جميع أبناء حارته "يروون الحكايات، يرويها كل منهم كما يسمعها في قهوة حيّه، أو كما نُقلت إليه خلال الحكايات". فالحكايات هنا، يضيف بدوي، هي غذاء يومي للناس كالخبز، وسوف يسمّي السارد لحظات سرد الحكايات باسم "وقت الخيال"، حين يتقدم في السرد، في إشارة إلى سلطة الخيال. وفي خاتمة الدراسة يذهب بدوي إلى أن ما مارسه محفوظ من كتابة روائية، تستلهم الماضي، وترى فيه ما يجعله قادراً على التحديق في الحاضر ورفضه؛ سعياً إلى تحرير "مَلاك التاريخ" الذي علق جناحاه، يتصادى مع الخطاب الفلسفي الناقد لعصر الأنوار الأوروبي (ص 228).

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/11/2026 12:45:00 PM
قوة الدولار وارتفاع الذهب معاً "دليل على قلق عالمي".
ايران 4/12/2026 6:50:00 AM
وزير الخارجية الباكستاني يدعو الولايات المتحدة وإيران إلى مواصلة الالتزام بوقف إطلاق النار
تحقيقات 4/12/2026 9:22:00 AM
تتعامل وزارة الصحة مع هذا الملف بتكتم شديد وعدم الإفصاح عن أرقام الجثث المجهولة الهوية. فالقضية معقّدة، تتداخل فيها صلاحيات جهات عدة.